على أن ابن خلدون قد تنبه إلى هذا التناقض في آخر كلامه عن الدول العامة والملك في الباب الثالث من مقدمته، فحاول استدراكه بالقول بأن عهود معاوية ومروان وعبد الملك -دون يزيد بن معاوية وبقية الأمويين -والعباسيين إلى الرشيد وبعض ولده فقط، قد اجتمعت فيها الخلافة والملك، حيث"التبست عصبية العرب وذهاب جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكًا بحتًا" (57) . ولا يخفى ما في هذه المحاولة للتوفيق بين الملك والخلافة في عهود بعض الأمويين والعباسيين دون بعضهم الآخر من وهن، إذ يبدو أنه بعدما تبين لابن خلدون عدم انطباق قوانين (عمرانه) -التي ميّز فيها بصورة واضحة كما تبين لنا بين طبيعة الحكم القائم على الملك وطبيعة الخلافة- على نظام الحكم في الدولة العربية منذ عهد معاوية اضطر لإقحام مقولة (الالتباس) هذه، ليجعل طبائع العمران التي قال بها، وأقرّ بموجبها أن"طبيعة الدولة في أولها.. البداوة والغضاضة" (58) وليس الترف الذي هو من صفة الملوك، توافق بدايات الدولتين الأموية والعباسية ويتجلى ضعف هذا التوفيق بين الخلافة والملك بصورة أوضح حينما فرّق صاحب المقدمة بين بعض الأمويين وبعضهم الآخر، فاعتبر عهد معاوية عهد خلافة وملك، بينما عهد ابنه يزيد عهد ملك فقط. وكذلك بالنسبة لعبد الملك وبقية أولاده، أو العباسيين الذين سبقوا الرشيد والذين أعقبوه. فما هو الفرق الذي يجعل عهد معاوية يختلف عن عهد يزيد ابنه، أو عهد عبد الملك عن عهد ابنه الوليد مثلًا؟ وهل غابت عصبية العرب في عهد يزيد فأصبح هذا ملكًا، ثم عادت في عهد مروان لتجعل منه خليفة وملكًا في الوقت نفسه؟
أهل الجيل الثالث... مثال آخر على مخالفة طبائع العمران: