فهرس الكتاب

الصفحة 17294 من 23694

بيد أن ابن خلدون يرى أن تطور نظام الحكم في الإسلام، الذي هو الخلافة، إلى ملك أمر جائز فـ"الملك لما ذمه الشارع لم يذم منه الغلب بالحق وقهر الكافة على الدين، ومراعاة المصالح، وإنما ذمه لما فيه من التغلب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الإغراض والشهوات.. فلو كان الملك مخلصًا في غلبه للناس أنه لله ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه لم يكن ذلك مذمومًا" (49) . ومثل هذا التحول من الخلافة إلى الملك قد وقع فعلًا، وهو كما يرى كان أمرًا ضروريًا لا مفر منه، لأن الأمور بطبيعتها كانت تقتضي زوال نظام الخلافة، أي انقلابه إلى ملك بعد حركة الفتوحات والثروات الكبيرة التي حازها المجتمع العربي الإسلامي مما استلزم تطور هذا المجتمع وقيامه ببناء دولة ذات نظم ومؤسسات. وهكذا انقلبت الخلافة ملكًا لمّا انغمس العرب في النعيم بكثرة الغنائم والفتوح. وأصبحت طبيعة الظروف الجديدة تقتضي (50) "الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به" (51) ، وخاصة بعد أن ذهبت (عصبية الدين) التي طبعت نظام الحكم بطابعها في عهد الراشدين، وعادت (عصبية القبيلة) ممثلة في العصبية الأقوى، وهي عصبية بني أمية كما يرى ابن خلدون، منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، الذي لم يكن له"أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها، واستشعرته بنو أمية، ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق من أتباعهم فاعصوصبوا عليه واستماتوا دونه. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم بالانفراد بالأمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه من أمر ليس ورائه كبير"

مخالفة" (52) وهو التحول من الخلافة إلى الملك. فالغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك (53) ، و"العصبية مقتضية بطبعها للملك" (54) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت