كذلك فقد خالف ابن خلدون ما نظّر له من (طبائع الأحوال في العمران) في كثير من عبارات وأفكار معالجته لقضية نكبة البرامكة. فقد نفى أن يكون سبب نكبتهم ما ذكره بعض المؤرخين -ويقصد ما نقله الطبري والمسعودي على وجه التحديد (44) - من حكاية العباسة أخت الرشيد، فهذه الحكاية هي حكاية مختلفة، كما يقرر، لأن العباسة"ابنة خليفة أخت خليفة، محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية و..." (45) . ونحن نناقش هنا عبارته الأخيرة فحسب دون دفاعه عن العباسة، فقد جمع ابن خلدون في عبارة (الملك والخلافة) بين أمرين متناقضين، بما يبعده عن الموضوعية، والقوانين التي أقرها للعمران. فالملك والخلافة مفهومان مختلفان لدى الفقهاء وغيرهم، وهو اختلاف مبني في الأساس على ما روي عن الرسول (ص) من حديث يفرّق بين الخلافة والملك، ويجعل الخلافة بعده (ص) ثلاثين عامًا تعود بعدها ملكًا. وابن خلدون نفسه يخالف عبارته حينما يعتبر، في مواضع أخرى من المقدمة، أن الخلافة نوع مستقل من الحكم لا يجتمع مع الملك، فأنواع الحكم كما يذكر ثلاثة:
-الملك الطبيعي،"وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة".
-الملك السياسي،"وهو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار".
-الخلافة، و"هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (46) .