والذي عندي أنه إذا صح ابتناء مقاطع الكلم في حداثة نشوء اللغة بمحاكاة الطبيعة اعتمادًا على الحدس والتدرج بهذه المقاطع في المرحلة الصوتية، فليس يصح أن يستمر ذلك ويطرد بعد نضج الإنسان وتحضره ما لم يُضمّ إلى هذا الحدس في ابتناء اللغة تدبر وتواطؤ بفعل حاجة الإنسان عند رقيه إلى التعبير عن مقتضيات أحواله، وجنوحه إلى تجديد أدائه وتنقيحه حتى تأخذ لغته سبيل الاستقرار دون اتكال منه على مصادفة للطبيعة أو ملابسة للظرف. وليس يمنع هذا أن يتم الأمر عفو الطبيعة، بل ليس يشترط أن يبدأ الاهتداء إلى وضع من الارتقاء اللغوي بمواضعة الجماعة فقد يصدر ذلك عن فرد متميز ثم يشيع عند الجماعة بإقراره فيصبح متعالمًا. فقد أشار المختصون في حفائر (رأس شمرا) مثلًا أن صاحب لوح من الألواح المكشوفة، وهو كاتب فنيقي، قد اصطنع حروفًا أثبتها على لوحة فكانت مرحلة بين المسمارية والفنيقية الراقية، واعتدت محاولة للاهتداء إلى هذه الحروف، كما أشار إليه الشيخ العلايلي. ولم يشترط الأمام الرضي في اهتداء الفرد إلى وضع لغوي يُعتد به إلا أن يقصد مشايعة الجماعة له وتواطؤهم على ما انتهى إليه. فقد جاء في شرح الكافية (1/3) : (المقصود من قولهم وضع اللفظ جعله أولًا لمعنى مع قصد أن يصير متواطأ عليه بين قوم. ويقال لكل لفظة بدرت من شخص لمعنى أنها موضوعة له دون قصد التواطؤ بها) .