على أن الأرسوزي لا يرى اللغة اتفاقًا أو تواطؤ ما احتاج التواطؤ إلى عقل وافتقر إلى تدبر، بل يأبى المواضعة ولو جرت بالفطرة وكانت الحاجة إليها في التعبير والتخاطب كالحاجة إلى التنفس كما يقول ابن سنان.
تصور الأرسوزي العرب يحاكون أصوات الطبيعة فيتخذونها أصلًا لمقاطع لغتهم، ثم يطبعون على غرارها في تصرف، ويضربون على قالبها في أداء كلمات تعبر عن إنسانيتهم. وهكذا يخلص أداؤهم - بمساومة- بين صيغ مسموعة تلقوها وأخرى فطرية ابتنوها. والوجدان القومي قد اهتدى بـ (الحدس) إلى اختيار الصيغة الحية للأداء (الصيغة الحية التي يعبر بها عن معنى وجوده وتطلعات أبنائه إلى الحياة الحرة المبدعة) . ومن ثم انطوت العربية على مضمون إنساني كان حصيلة التجربة الخلقية والإبداع الفني في وجود الأمة. فاللسان منظومة صوتية تعبر عن وجهة الأمة التي أنشأته ودلت عليه ولعل أهم ما تميز به مذهب الأرسوزي:
1-أنه ينحو نحو المتصوفة والمثالية فيعول في الاهتداء إلى صيغة الأداء على (الحدس) ، والحدس أول مراتب الكشف ويقابله الفكر. فصورة الكلمة تدل على صورة المعنى بمنهاج. وقد ذهب أفلاطون إلى نحو من هذا حين قدّر أن للألفاظ معاني لازمة لها متصلة بطبيعتها. فالكلمة تجلو بلفظها المعبر أو طبيعة اشتقاقها الواقع الذي تعبر عنه.
ولكن ما لنا وللمتصوفة، أفليس في علم اللغة الحديث موضع لمثل هذا الحدس ومنزلة يعول بها عليه؟ أقول يحسن النظر إلى الحدس من وجهين: أولهما أنه يعتد طريقة من طرق الاستدلال في البحث اللغوي. فإذا كان علماء الطبيعة قد أغفلوا هذا وأنكروه في مباحثهم فإن علماء اللغة المحدثين لم ينحوا أو يقتاسوا بنهجهم. بل رأوا أن اللغة متفردة بخصائصها متميزة بطرائقها عن أي (ظاهرة طبيعية) أخرى، بحيث ينبغي للنهج العلمي أن يعدل ببحثها إلى ما يلائم طبيعتها ويجانس سمتها، على أنه لا بد إلى ذلك من اعتماد الوسائل المعتادة كالاستقراء والاستنباط.