أقول إذ صح أن يدل اللفظ على معناه حتى تراه لا يشف إلا عنه ولا يلهم إلا به فإنه لا يزال على شيء من ظلاله منذ طراءة نشوء العربية، وفي مرحلتها الصوتية، هذه المرحلة التي انطوت على مقاطع كانت أصداء لدلالاتها. أما بعد ارتقاء العربية وانتقالها إلى المرحلة اللفظية واستحكام بنيتها وانتهائها إلى مستقرها في الأصل الثلاثي ثم اغتنائها بالاشتقاق والتصريف والتقليب ثم اتساق ألفاظها بالاتباع، فلا شك أن المجانسة في الكلم بين اللفظ ومعناه لم تبق على سابق عهدها من الوضوح والجلاء. فإذا اتفق لها أن تكون قد استمرت فأيدت سرها حينا، فقد عرض لها مما غشيها من التغيير ما آل بها إلى أن تخبو وتتوارى أحيانًا. ولا يخفى أن التغيير لا يقع على اللفظ مادته وصورته وحسب، وإنما يلابس معناه أيضًا. فالمعنى لا يجمد في اللفظ بل يتدرج بالمجاز والنقل حتى تضعف نسبته إلى أرومته في أحوال كثيرة. وقد ينتهي إلى دلالة تنشعب عن الأصل فتشيع وتشتهر وتنسى دلالة الأصل فتهمل وتمات.
والأرسوزي لا يرى اللغة إلهامًا كما ذهب إليه بعض السلف حين تصوروا الأسماء دالة على مسمياتها منذ الخليقة، بل يرى في عزوها إلى الإلهام ثنيًا للفكر عن ارتياد البحث ومزاولة الكشف عن سر المسألة وجوهرها. ويذكّر هذا بما حكاه المزهر (1/13) عن المعتزلة واعتقادهم أن اللغات لا تدل على مدلولاتها كالدلالة العقلية. ولهذا المعنى يجوز اختلافها. ولو ثبتت توقيفًا من جهة الله تعالى لكان ينبغي أن يخلق الله العلم بالصيغة ثم يخلق العلم بالمدلول ثم يخلق لنا العلم بجعل الصيغة دليلًا على ذلك المدلول. ولو خلق لنا العلم بصفاته لجاز أن يخلق لنا العلم بذاته. ولو خلق لنا العلم بذاته بطل التكليف وبطلت المحنة.