هذه الفرضيات والقراءات هي التي حاول حنفي حسنين أن يتتبعها، وهي التي جعلته ينتهي إلى (( أنها جميعًا تمثل فروضًا علمية لم يثبتها أي باحث منهم، وإنما هي حدس يختلفون فيه، وبه كثير من التعميم ) ) (34) . مما جعله يؤكد أن عوامل دينية وسياسية واقتصادية، ساعدت لهجة قريش على السيادة خلال القرن السادس الميلادي فأصبحت لغة الشعر، وأن قبيلة (( قريش استطاعت أن تدمغ هذه اللغة الأدبية الموحدة بطابعها الخاص، وبلهجتها المستقلة، نتيجة لمركز القوة الديني والاقتصادي الذي كانت تحتله خلال القرن السادس الميلادي، وقبيل ظهور الإسلام، حتى إِذا نزل القرآن الكريم وجد البيئة اللغوية التي تفهمه دون عناء على الرغم من اختلاف اللهجات، فقبله كان الشعر الجاهلي، يجوب آفاق الجزيرة يحمل مشعل اللهجة الواحدة، فيجد الآذان العربية كلها تطرب له وتتحمس لاستقباله ) ) (35) . وبذلك ندرك أن الشعر الذي سبق توحيد اللهجة لم تحفظه العرب، ولم تروه لأنه قيل بلهجات متفرقة استعصى على العرب الحفاظ عليها وعلى شعرها، ولو بحث الدارسون في التراث الشعبي كالأغاني والأناشيد والأهازيج لوجدوا بواكير الشعر العربي في هذه الألوان من الأشعار نظرًا للارتباط العميق بالنفس في المرحلة الأولى لتبلور الحس الشعري لدى العربي، هذا الحس الذي ولد مقاطع الغناء والأناشيد والأهازيج الحماسية نظرًا لارتباطها بحياته الوجدانية والمعاشية والسياسية وكان الرجز السيد الغالب على هذه المقاطع الغنائية لبساطة موسيقاه وقربها من النثرية المسجوعة ذات الإيقاع المؤثر كالمقطوعة التي أنشدتها هند بنت عتبة ونسوة من قريش في غزوة أحد لتحميس فرسان قريش من المشركين لمجابهة جيش المسلمين، والتي يروى أنها من إنشاد أعرابيات في يوم قار لتحميس الفرسان المقاتلين:
إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِق
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِق ... فِرَاق غَيْر وَامِق (36) .