حذا الأرسوزي في كتبه (العبقرية العربية في لسانها) و (رسالة في اللغة) و (اللسان العربي) حذو من تقدمه فذكر أن نشوء العربية قد تم بادئ بدء بمحاكاة الأصوات الطبيعية، وهو مذهب سائر مأموم بُسط القول فيه وأضاف (إنّ الكلمات العربية لا تزال ذات جذور في الأصوات الطبيعية) . وقد فصل الكلام عن هذا أيضًا. والذي أراده الأرسوزي أن العربية قد ابتنت جذورها الصوتية بمحاكاة هذه الأصوات، ثم اعتمدت هذه الجذور فأثبتتها في بناها مقاطع وألفاظًا جانست ما دلت عليه من المعاني. ثم تكامل بنيان اللغة باشتقاق الكلم بعضها من بعض فتفرع على كل أصل مفردات اشتركت في حمل معناه والانطواء على جذوره، ولو غايرت صيغها صيغته. ومن ثم تميزت العربية باستثبات كلماتها هذه الجذور وتفردت بتوالد ألفاظها توالدًا وفر على الفرع ملامح الأصل فبدا بها الثبوت والخلود فيما لا يوجب سنن الارتقاء تبديله وتغيره. وليس ذلك بدعًا مما قاله الأئمة في الاشتقاق، وأفصحوا عن مضمونه. فإذا تغيرت معالم الكلم الفرنسية مثلًا بتقادم العهود وخفيت معانيها بانسلاخ القرون فجهل أبناؤها أدب الأجداد ما لم يكونوا قد توفروا على تراثهم واستنبطوا أصوله لاتينية ويونانية وأوسعوها علمًا وخبرًا، فإن ألفاظ العربية مهما تقلبت صورها وتدرجت دلالاتها واختلفت باختلاف مراحل ارتقائها وشروط تكاملها فإن معالمها باقية مستمرة توحي بأرومة أصلها وتنبئ بطريق اشتقاقها، فيسهل على الأبناء تبين أدب الأجداد، على بُعد الشقة وانطواء المراحل. وتخفى في ألفاظ اللغات اللاتينية ملامحها لتعدد أصولها المشتركة واختلاف هذه الأصول في تصاريفها بافتقاد كثير من أحرف الجذر أو زوالها، بل تلون أصواتها فتغيب اللحمة بين مفردات المارد أو تبدو صورتها شائهة باهتة.