فهرس الكتاب

الصفحة 1720 من 23694

ولم يفت أئمة اللغة في العربية أن يتأملوا هذا الموضع ويعملوا فيه النظر، لكنهم انتحوا في نشوء اللغة نحوًا آخر. فمنهم من استمسك بظاهر النص في قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها - 2/31) فقال بالمذهب (التوقيفي) ومن أعلام هذا المذهب (ابن فارس) ، وقد أخذ به الأشاعرة. ومنهم من عمد إلى التأويل فلم ير في النص ما يوجب الأخذ بالمذهب (التوقيفي) كابن جني، إذ قال في كتابه الخصائص (1/39) : (إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف) ، وقال (ذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها) ، وأردف (فإذا كان ذلك محتملًا غير مستنكر سقط الاستدلال به) .

وإذا كان ابن جني قد أجاز الأخذ بمذهب الاصطلاح والمواضعة، فإنه لم يمنع من اعتقاد (التوقيف) فقال: (إني تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة فوجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فمن ذلك ما نبه عليه أصحابنا رحمهم الله، ومنه ما حذوته على أمثلتهم فعرفت بتتعابعه وانقياده وبعد مراميه وآماده، صحة ما وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه. وإنضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة، بأنها من عند الله جل وعز، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفًا من الله سبحانه وأنها وحي) . وقد عاد لم يستبدع أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا، وأن بعد مداه عنا من كان ألطف أذهانًا وأسرع خواطر وأجر أجنانًا) فتولوا ذلك بأنفسهم. وقد أنهى كلامه في هذا فقال (وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به، وبالله التوفيق) .

وطبيعي أن يأخذ أعلام المعتزلة بالمذهب الاصطلاحي. وقد تبعهم فيه كثيرون كابن سنان الخفاجي فقد جاء في كتابه (سر الفصاحة) : (والصحيح أن أصل اللغات مواضعة وليس بتوقيف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت