فهرس الكتاب

الصفحة 1717 من 23694

أقول إن المناسبة بين اللفظ ومعناه إنما تتجلى خاصة في مرحلة من مراحل نشوء اللغة. فالمرحلة الصوتية مرحلة طبيعية لا بد لأي لغة أن تجوزها. وهي أظهر ما تكون في اللغات غير المرتقية أو في الدرجات الدنيا من المرتقية. وقد تتقارب آثار هذه المرحلة في اللغات أو تتباعد. ولكن لا بد أن تتفق في كل لغة ألفاظ هي أصداء لمعانيها على كل حال. ويعزى في الأصل تباعد هذه المقاطع في لغة عنها في لغة أخرى ولو حكت صوتًا بعينه إلى أن محاكاة الأصوات كما مر بنا لا تكون آلية. ذلك أن قدرة كل جماعة بشرية على صوغ مقاطع لغتها الخاصة بها إنما تتأثر بجارحة سمعها وجهاز نطقها. فهي تتوهم المسموع على نمط حين تتلقاه، وتحاكيه في تصرف حين تؤديه وتعبر عنه. فلا بد لكل جماعة من نظام صوتي ذي سمات خاصة للتلقي والأداء جميعًا. ومن ثم قال الشدياق (ومنهم من توهم صوت القطع يحكي ترّ وطرّ، فتوهمه أولئك، أي الإنكليز، لصوت القطع فقالوا tear، وتوهمه الفرنسيس لصوت الجذب) . وليس الشدياق أول من أشار إلى ذلك في العربية بقوله (توهم) . فقد حكى ابن جني عن الخليل أنه قال: (كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدًّا فقالوا صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا صرْصر..) .

ولا يخفى أن لجارحة السمع في علم اللغة الحديث جانبًا عضويًا وآخر نفسيًا، وأن جهاز النطق يقضي بتعدد صور النطق بين أصحاب اللغة الواحدة، وتمايزها بين أصحاب لغة وأخرى، فتتباين الأصوات وتتغاير حروف الهجاء بين لغة وأخرى. بل يختلف النطق بها ولو اتحدت بين لغتين أو أكثر، كما يختلف بين لهجة وأخرى في لغة واحدة. ولا يخفى أن حروف الهجاء بأصواتها هي وحدات اللغات الحقيقة، وأصواتها في العربية هي الحركات نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت