وقد أشار عباد بن سليمان الصيمري إلى قيام المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومعناه. قال صاحب المزهر (1/31) : (نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان من المعتزلة أن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، وإلا لكان تخصيص الاسم المعين للمسمى المعين ترجيحًا من غير مرجح) .
وعقب السيوطي على مذهب عباد فقال: (وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني، لكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عباد أن عبادًا يراها ذاتية موجبة بخلافهم) . وكأن عبادًا يرى ما قد رآه أفلاطون من أن لكل لفظ معنى بطبيعته. فدلالة اللفظ دلالة ذاتية.
قال عباد (ولولا الدلالة الذاتية لكان وضع لفظ من الألفاظ بإزاء معنى من المعاني ترجيحًا بلا مرجح، وهو محال -1/11) . وقد أجيب عن ذلك بأن اللفظ لو دل بالذات لفهم كل واحد كل اللغات لعدم اختلاف الدلالات الذاتية...
وهكذا جفا كثير من العلماء عن اعتقاد هذه المناسبة فردّوا على من استن بها بأنه لو صحت المناسبة بين اللفظ والمعنى في اللغات عامة واقتضت بنية اللفظ معنى بعينه لاتحدت معاني الألفاظ الواحدة في لغات شتى أو تقاربت. وبنوا على ذلك فقالوا إنّه لا صلة ثمة بين اللفظ ومعناه، وإنما اللفظ رمز واصطلاح. ومن ثم رأى أصحاب المذاهب البنيوي Structuralisme 2 أنه ليس ثمة علاقة بين معنى الكلمة وصورتها الصوتية. واعتلوا لذلك بتعدد اللغات في الأصل. فإن معنى بعينه إنما يعبر عنه بألفاظ ذات صور صوتية متباينة. ولا يصدق هذا في تعاقب كلمات مختلفة على معنى في لغات متعددة وحسب، بل في اتفاق كلمات متغايرة على معنى في لغة واحدة أيضًا3.