ولما كان لعلم الفقه اصطلاحاته فقد ألِفّت معاجم لهذا الغرض، وممن ألفوا فيه الأزهري: أبو منصور محمد بن أحمد (0370-) ، وله كتاب"الزاهر في غرائب ألفاظ الإمام الشافعي" (ت 210هـ) ، ثمّ"المطريزي (ت 610هـ) : أبو الفتح ناصر عبد السيّد"، وله كتاب"المغرب في ترتيب المغرب"، وكانت هذه المعاجم هي الأخرى خاصة بغريب القرآن وغريب الحديث (5) .
يذكر ابن خلدون في مقدمته أصول الفقه، وما يتعلق به من"الجدل والخلافيات"، وينصّ على صلة الفقه بالدلالة في مستوياتها المتعدّدة قائلًا:"... يتعين النظر في دلالات الألفاظ، وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق، يتوقف على معرفة الدلالة الوضعية مفردة ومركبة، والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان..."
ولا يكفي فيه معرفة الدلالات الوضعية على الإطلاق، بل لا بدّ من معرفة أمور أخرى تتوقف عليها تلك الدلالات الخاصة، وبها يستفاد الأحكام بحسب ما أصّل أهل الشرع وجهابذة العلم من ذلك.
وجعلوه قوانين لهذه الاستفادة مثل:"إنَّ اللغة لا تثبت قياسًا، والمشترك لا يراد به معنيان معًا، والواو لا تقتضي الترتيب، والعام إذا أخرجت أفراد الخاص منه، هل يبقى حجة فيما عداه؟ والأمر للوجوب أو الندب وللفور أو التراخي، والنهي يقتضي الفساد، أو الصحة، والمطلق هل يحمل على المقيّد؟ النص على العلّة كاف في التعدّد أم لا؟ وأمثال هذه، فكانت كلها من قواعد هذا الفن، ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية" (6) .
وقسّم الفارابي الدلالة إلى: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام، فهو يقول"إنّ اللفظ الدال بالوضع يدل على تمام ما وضع له بالمطابقة وعلى جزئه بالتضمن، وعلى ما يلازمه في الذهن بالالتزام كالإنسان، فإنَّه يدل على تمام الحيوان الناطقة بالمطابقة وعلى جزئه بالتضمن وعلى قابلية التعلم بالالتزام" (1) .