وبرز الاهتمام بالمسائل الدلالية واضحًا في تضاعيف التفاسير التي بدأت لغوية كالغريب ومعاني البيان القرآني وسحره وما إلى ذلك، فابن عباس (ض) يصرّح بأنَّه لم يكن يدري المراد من كلمة"فَاطِر" (3) ، وأيضًا"وحَنَانًا مِنْ لدُنَّا" (4) ، وفي رواية أنّ ابن عباس (ض) قال: كل القرآن أعلمه إلاّ أربعًا:"حَنانًَا"،"غِسْلِين" (5) ،"أَوّاه" (6) و"الرَّقيم" (7) .
وهي البوادر الأولى التي انتهت بالتأليف في غريب القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، فكانت نتائجها معاجم لغوية ألّفت لخدمتهما، ويذكر منها على سبيل المثال:"المفردات في غريب القرآن"للراغب الأصفهاني (ت 502هـ) ، و"الفائق في غريب الحديث"للزمخشري (ت 538هـ) .
وممّا يؤسف له أنَّ معظمها ضاع، ولم يبق منها إلاّ كتاب"الغريب المصنف"لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) ، وكتاب ابن قتيبة (ت 276هـ) في غريب القرآن، والذي أخلط فيه بين منهجي كتب اللغة وكتب التفسير، كما ألف أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت 401هـ) كتابًا في الغريبين،"غريب القرآن وغريب الحديث" (1) .
والطريف أنَّ أبا حاتم أحمد حمدان الرازي (ت 322هـ) ألّف كتابًا في تطور معاني الألفاظ جمع فيه عددًا من الألفاظ الإسلامية، ودرسها دراسة تطورية تاريخية، وتتبع معانيها من العصر الجاهلي إلى العصر الإسلامي، وقد سماه"الزينة في الكلمات الإسلامية" (2) ، وهو لا يختلف في بنائه عن معاجم الحقول الدلالية (3) .
أمّا السيد الجرجاني (ت 810هـ) فإنَّه يورد في"تعريفاته"كلامًا جامعًا عن الدلالة في الثقافة الأصولية، قائلًا:"الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأوّل هو الدال، والثاني هو المدلول. وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النصّ واقتضاء النص" (4) .