فهرس الكتاب

الصفحة 17076 من 23694

وإذا ما أكّدنا أنّ السكاكي لم يتجاوز حدود التهذيب والتحسين، لما أنجزه الجرجاني علمنا أن كثيرًا من المحدثين يعتبرون اتّجاه الجرجاني قمة الجهود البلاغية العربية في ميدان البحث الدلالي، فدراسته للنظم وما يتصل به تقف بشموخ أمام النظريات اللغوية في الغرب، بل تفوق معظمها في مجال فهم التركيب اللغوي، مع الفارق الزمني الواسع الذي يعد ميزة يختلف بها عبد القاهر عن غيره ويعود إليه فضل السبق (6) ، واعترف له علماء كثيرون بآرائه الذكية وبخاصّة في الجزء الذي يتناول المعنى النحوي والدلالي من كتابه"دلائل الإعجاز".

ويمكن استخلاص الملامح الرئيسة لنظرية عبد القاهر الجرجاني الدلالية من النص الآتي:"وإذا قد عرفت أنَّ مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أنَّ الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادًا بعدها، ثم اعلم أن ليس المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض" (1) .

يوضّح هذا النص نظرة عبد القاهر الجرجاني للدلالة، ويحدّد عناصرها الثلاثة التي تعدّ أساسية في مناقشة دلالة اللفظ والمعنى، وهي:

الغرض الذي يوضع له الكلام.

النظم الذي ينظم مواقع الكلمات.

اللفظ الذي يحدّد كيفية استعمال الكلمات بعضها مع بعض، وبمعنى آخر، (المعنى والغرض) ، و (النظم) ثمّ (الشكل السطحي) .

ولا ريب في أنَّ مثل هذا العمل يعدّ كافيًا للتدليل على مساهمة البلاغة العربية واهتمامها بالظواهر الدلالية، وهي حقيقة ينبغي الاعتراف بها والانطلاق منها في كلّ دراسة منصفة وجادّة (2) .

وكانت دراسة عبد القاهر للنظم وما يتّصل به من تعليق وبناء وترتيب من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق والتركيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت