فهرس الكتاب

الصفحة 17073 من 23694

والقصة التي تروي نشأة النحو العربي حين قالت البنت لأبيها أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ) "ما أجملُ السماء" (برفع أجمل) وكأنها تستفهم، وهي تريد أن تتعجب، من جمال السماء، تبيّن أنَّ اللحن في الحركة الإعرابية نتج عنه لبس في المعنى، وتصحيح أبي الأسود خطأ ابنته بقوله:"ما أجمل السماء (بفتح همزة السماء) أدّى غرض التواصل والفهم."

وكذلك قصة الأعرابي الذي قرأ خطأ الآية الكريمة"أَنَّ اللهَ بَرِيئٌ مِنَ المُشْرِكينَ وَرَسُولَه" (3) (بكسر لام الرسول) ، غيّر من مدلول الآية ومقصودها، فكان الخطأ دلاليًا فأتبع بتصحيح الحركة الإعرابية، ممّا أدّى إلى سلامة دلالة الآية الكريمة.

إن لفتة سيبويه في باب الاستقامة من الكلام والإحالة يدعم فكرة اهتمام النحو العربي بالظواهر الدلالية، فهو يقول:"فمنه (الكلام) مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب."

-فالمستقيم الحسن: هو الترتيب أو التعبير المألوف في اللغة نحو:"أتيتك أمس، سآتيك غدًا".

-المحال: وهو المتناقض في الاستعمال أو نقض أوّل الكلام بآخر، نحو: أتيتك غدًا، سآتيك أمس.

-المستقيم الكذب، وهو تركيب مستقيم من حيث النحو وغير ممكن الوقوع في نحو: حملت الجبل وشربت ماء البحر.

-المستقيم القبيح: وهو وضع اللفظ في غير موضعه على الرغم من استقامته نحو: وكي زيد يأتيك، وقد زيدًا رأيت.

-المحال الكذب: وهو ما لا يتوافق مع الواقع، والخروج عن منطق اللغة نحو: سوف أشرب ماء البحر أمس (4) .

إن استقامة الجملة في جميع عناصرها عند سيبويه لا تختلف عما يسمّيه المحدثون بأصولية الجملة ومقبوليتها في نظرية النحو التوليدي التحويلي الذي رائده نوام شومسكي، وعدم استقامة الجملة معناه أنَّها صحيحة قواعديًا ونحويًا ولكنها غير صحيحة دلاليًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت