قد طغى عليها المدّ وصوت النون، ويلاحظ أنَّ هذا الصوت أنفي، يصدر أثناء البكاء من شدة الولع والفراق، فلا شك في أنَّ المرء يصدر من أنفه صوتًا شبيهًا به، فكأن صوت النون تعبير بصفته ومخرجه عن هذا الحزن الذي يحمله الشاعر بين جوانحه.
والملاحظ أن"المستوى الصوتي لا يقوم منفردًا، وإنّما تتشكل كلّ المستويات ضمن هالة متكاملة لإعطاء الأسلوب الغرض الدلالي الذي يقصده المبدع" (2) .
فقد تكون تقارب الأصوات لتقارب المعاني، من ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلنَا الشّيَاطِينَ على الكَافِرِينَ تَؤُزّهُم أزًّا" (3) ، أي تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظين لتقارب المعنيين، وكأنهم خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنّها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهزّ، لأنَّك قد تهزّ ما لا بال له، كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك" (4) .
أمّا النحو العربي فقد وضع في الأصل لتقنين اللغة، وحفظ اللسان من الزلل والخطأ، وله دور أساسي في فهم النص، إلاَّ أنَّه لا ينفى العنصر الدلالي عنه، فهو موجود باستمرار واهتمّ بالمعنى منذ نشأته.
"فالترابط بين الوظيفة النحوية والدلالة المعجمية حقيقة ثابتة ودائمة ومستمرة في التجربة اللسانية العربية، فالجملة هي غاية كل نظام نحوي يعمل على كشف تركيبها، ويحاول الربط بين الصورة الصوتية والمعنى المراد منها من خلال النظام العقلي الذي يحكمها، فهو إذن يمدّ الجملة بمعناها الأساسي الذي يكفل له الصحة ويحدّد له عنصر هذا المعنى (1) ."
فاهتمام النحو العربي بالظواهر الدلالية ثابت، وإن كان لا يرقى إلى نظرية دلالية نحوية واضحة المعالم كما هي متداولة اليوم، ولكن أسسها لا يمكن جهلها أو إغفالها، فالعلاقة بين قوانين المعنى النحوي وقوانين دلالات المفردات في النظام النحوي قائمة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه بالمعنى النحوي الدلالي (2) .