وتفطن اللغويون العرب إلى أثر الصيغة في توليد الدّلالة، ووضعوا قاعدة لذلك مفادها أنَّ الزيادة في المبنى تلحقها بالضرورة زيادة في المعنى، ومن ذلك قولهم: خَشِن، اخْشْوشَنَ، فمعنى خشن دون معنى اخْشَوْشَنَ لما فيه من تكرير العين، وزيادة الواو، وكذلك قولهم أعشب المكان إذا نبت فيه العشب، أما إذا كثر فيه العشب فقد قالوا اعشوشب، وصيغة افعوعل تفيد المبالغة (5) .
واكتشفوا أنّ التكرار الواقع في الفعل يعود إلى تكرار معناه مثل قطّع، وكسّر، وفتّح، وغلّق، كما أنَّ المصادر التي تأتي على وزن فَعَلان تدل على الاضطراب والحركة مثل الغَلَيَان والغَثَيَان (6) .
وفي باب"فَعْلاَن"ومصدره وفعله يقول سيبويه:"أما ما كان من الجوع والعطش، فإنَّه أكثر ما يبنى في الأسماء على فَعْلان، ويكون المصدر الفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، وذلك نحو ظَمِئ يَظْمَأ، وهو ظَمْآن، وعَطِش يَعْطَش عَطَشًا وهو عَطْشَان" (1) . وهي أدلة وشواهد توضح علاقة الصرف بالدلالة.
وركّزت الدراسات الصوتية العربية على القيمة التعبيرية للأصوات وأهميتها في الإيقاع والموسيقى لأنَّ الحروف العربية ذات وقع موسيقي مختلف من حرف إلى آخر ومن تركيب إلى آخر، وعند نظم هذه الحروف داخل الكلمة، ثم الكلمات في تركيب لغوي معيّن، تنشأ عنها القيمة التعبيرية للغرض بأكمله.
وتتلوّن الأصوات بتلوّن الأغراض الدلالية، ففي غرض الوصف تكثر الكلمات الخفيفة والأصوات المعبّرة عن ذلك، وفي موضع الذكرى والتألم تكثر أصوات المدّ المعبرة عن الأنين والتألم.
فعلى سبيل المثال قصيدة ابن زيدون النونية التي مطلعها:
أَضْحَى التّنَائِي بَدِيلًا مِنْ تَدَانِينَا وَنَابَ عَنْ طِيبِ لُقيَانَا تَجَافِينَا