ونقل الأستاذ قطان ما ذكره الشاطبي في الموافقات وهو للقرآن معان أصلية ومعان ثانوية. والمراد بالمعاني الأصلية التي يستوي في فهمها كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة وعرف وجوه تراكيبها معرفة إجمالية. والمراد بالمعاني الثانوية خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام، وبها كان القرآن معجزًا.
وذكر الأستاذ القطان أن ترجمة معاني القرآن الثانوية أمر غير ميسور، لأن وجوه البلاغة القرآنية في اللفظ أو التركيب (لا يفي بحقها في أداء معناها لغة أخرى لأن أي لغة لا تحمل تلك الخواص) . أما المعاني الأصلية فهي التي يمكن نقلها إلى لغة أخرى.
لم يميز الإمام الجرجاني بين معان أصلية ومعان ثانوية للقرآن الكريم، بل جاء في"دلائل الإعجاز في علم المعاني"بنظرية لغوية تطرقت إلى فلسفة اللغة وبيان ارتباطها بالتفكير، وبحثت في نشأة اللغة ووظيفتها الأساسية كوسيلة لاتصال الناس بعضهم ببعض. وحدد الجرجاني في ضوء ذلك معنى الفصاحة والبلاغة وشرح مفهوم نظم الكلم ومعاني الكلام، وبيّن ارتباط معاني النحو بالدلالات العقلية لمعاني الكلم وأن نظم الكلم هو توخي معاني النحو، وأشار إلى أن الاستعارة وسائر ضروب المجاز من مقتضيات النظم. وهكذا نرى أن الجرجاني أكد على ضرورة الربط بين النحو والبلاغة.
أما التمييز بين معان أصلية ومعان ثانوية للقرآن فينطلق برأيي من الفصل بين النحو والبلاغة. ويؤدي ذلك إلى القول بأن النحو يختص بصحة العبارة في ذاتها بصرف النظر عن صلتها بالقراء والسامعين (وهو ما يعبرون عنه بالمعنى الأصلي) ، وبأن البلاغة تختص بعرض الأفكار والمعلومات عرضا ملائمًا للمخاطبين (31) (وهو ما يعبرون عنه بالمعنى الثانوية) .