والمثال الثاني الذي نسوقه الآن لمناقشة قضية التأسيس في ميدان بكر يتمثل في تأسيس علم المصطلح العربي إبان حركة النهضة العلمية العربية التي اعتمدت بدرجة أولى على تعريب علوم الأمم التي شهدت حضارات متقدمة، ولم تكن حالهم آنذاك بأفضل من حالنا اليوم، إذ كانت الترجمة بالنسبة إليهم عائقًا كبيرًا وكانوا بين أمرين: أخذ العلوم بلغتها الأصلية أو تعريبها. فمالت همتهم إلى التعريب واصطدموا بالمشاكل التي تطرحها الترجمة وأهمها: كيف سيؤسسون مصطلحات للتعبير عن المفاهيم العلمية المستحدثة؟ كيف سيؤسسون خطابًا علميًا عربيًا؟..
لقد كانوا واعين بأنهم بصدد تأسيس خطاب علمي مستحدث في اللغة ورأوا أن قانون حياة اللغة يقتضي أن تثري اللغة نفسها بنفسها لتواكب ما يجدّ، وتفرض نفسها كأداة بإمكانها أن ترتقي إلى ما يرغب فكر متكلميها في التعبير عنه، فأسسوا ثوابت نظرية لخلق المصطلح قوامها ثلاثة مبادئ أساسية تمثل في:
1-الاتجاه إلى رصيدهم اللغوي يبحثون فيه عن مقابلات للمفاهيم العلمية المنقولة فأسعفتهم اللغة"بما كان العربي يستعمله للتعبير عن واقعه وعما يعتري حياته، من ذلك نجد أسماء النبات وأسماء الحيوانات الموجودة في الرسائل، كرسالة الإبل للأصمعي..." (9) .
2-الاتجاه إلى توليد مصطلحات جديدة إن لم يجدوا المقابل لها في الرصيد اللغوي. وللتوليد عندهم مستويان: مستوى عربي فصيح ومستوى أعجمي (والمولَّد من الألفاظ هو المستحدث، أي الذي لم يكن موجودًا في معجم اللغة والذي وقع توليده تحت ضغط الحاجة) . ولتوليد المصطلح طُرق عديدة يمكن تصنيفها إلى صنفين: توليد شكلي وتوليد دلالي.