هكذا يبدو جليًا أن المرجع الأول لعلم الأصول هو البحث في علاقة اللفظ بالمعنى وهذا البحث جرَّهم إلى التعمق في درس اللغة. لقد ناقشوا عديد القضايا اللغوية والبلاغية واستطاعوا أن يضعوا الأسس لنظرية متكاملة في الدلالة بحثًا ومنهجًا تتعالق فيها علوم اللغة وعلم الأصول استخرجوها من تدبُّر النص الديني ومن دراسة الكلمة من حيث الشكل والمعنى، لم يدرسوا الكلمة بصفة منعزلة، بل درسوها كوحدة منضوية تحت نظام، مندرجة ضمن شبكة من العلاقات، وهي رؤية تجعل مختلف العلوم منضوية تحت نظام النحو الذي يؤسس الدلالة ويحقق التواصل، ونظام النحو هو منطلق اللغة الذي يسير مختلف العلاقات التي تربط الكَلِم بعضه ببعض.
نلاحظ إذن أن علماء الأصول استثمروا ما جاءت به النظرية البيانية العربية وأضافوا إليها ما توصلوا إليه وأدى بهم البحث إلى تطوير نظرية البيان وأسسوا علم الدلالة.
والسؤال الذي نطرحه نحن اليوم هو: هل استفدنا من تجربة علماء الأصول، وهل حاولنا استثمار ما أسسوه في علم الدلالة، أم إننا تركناه جانبًا واستوردنا نظريات الغرب في الدلالة وأسقطناها على تراثنا إسقاطًا وجعلناها مثالًا يُحتذى، وعلمًا يصعب التوصل إليه؟
إننا نرى أن فيما وصل إليه علماء الأصول من تصنيف لأنواع الدلالة أمرًا لافتًا للانتباه ولا يقل قيمة عن محتوى النظريات الغربية الحديثة، لقد اكتشفنا الكثير من نقاط التقاطع بين الفكر اللساني والفكر اللساني الغربي، وهذا أم سنبيِّنه في بحث آخر. فهل آن الأوان إذن لاستثمار هذا الموروث الهام والاستفادة مما جاء فيه؟
كانت تجربة علماء الأصول هذه مثالًا سُقناه لنبين أن التأسيس قد يكون مواصلة لما وقع تأسيسه واستثمارًا له يؤدي إلى تطويره وجعله مواكبًا للحداثة.