وبواسطة الدلالة الإدراكية يعللون تفاوت درجات فهم النص عند المتلقين، فمن كان متقدمًا في المعرفة وعالمًا باللغة أكثر من غيره كان فهمه أقرب لمقاصد النص، لذلك اعتنوا عناية كبيرة بدراسة اللغة وبتدقيق دلالة الألفاظ لأن اللغة عندهم آلة فهم النص والدلالة مركب العبور للارتقاء إلى معرفة مقاصد النص. لذلك نراهم يدققون في فهم الدلالة اللفظية تدقيقًا يبعث على الإعجاب من تمكنهم من الإحاطة بمختلف المعاني التي يدل عليها اللفظ.
وكمثال على ذلك نورد المعاني التي أسندوها لصيغة الأمر كما جاءت عند الآمدي. (8)
هذه الصيغ تصل إلى خمس عشرة صيغة أي خمسة عشر معنىً اتفق أهل الأصول على أنها مجاز ما عدا الطلب والتهديد والإباحة وفي ذلك مسائل فتحدثوا عن:
المندوب والإرساء والوجوب. (ج2/144) .
صيغة الأمر العُرْي من القرائن (ج2/155) .
الأمر المتعلق بشرط (ج2/161) .
الأمر المطلق (ج2/165) .
الأمر بالشيء على التعيين (ج2/170) .
ورود صيغة: افعل بعد الحظر وكيف تدل على الوجوب عند البعض وعلى الإباحة عند البعض الآخر (ج2/178) .
الأمران المتعاقبان (ج2/184) .
إن مثل هذا التدقيق في دلالة صيغة الأمر يدل على وعي عميق بقيمة الدلالة، كما يدل على أن علماء الأصول كانوا واعين بأنهم بصدد تأسيس علم جديد انطلاقًا من استثمار البحوث اللغوية والبيانية السابقة.