ب-في الأندلس: يقول الدكتور الطاهر أحمد مكي:"فبكاء الممالك المنهارة والمدن الذّاهبة، فن أندلسي أصيل فيما أرى، وُجِدَتْ دوافعه في المشرق والمغرب على السواء، وخُصّ الأندلس ببعضها، وتفرد بأنه جرى مع هذه الدوافع إلى غايتها، فكان له معها قصيد رائع أحيانًا ودون الجيد أحيانًا أخرى تبعًا لثقافة الشاعر وطاقاته النّفسية، وحظّه من تجارب عصره عمقًا واتساعًا ..."15-.
وكانت الفتنة16- في قرطبة سببًا في بداية انتشار شعر بكاء المدن في الأندلس، إذ نظر الشعراء إلى عاصمتهم حينئذ قرطبة -فوجدوا معالمها قد دمّرت، ودُورُها دق خُرّبت ونُهبتْ فندبوها بمراثيهم، وممن بكاها ابن حزم (384-456هـ) الذي كان قد غادرها والتجأ إلى المرية خوفًا على نفسه، لكنه ظل يتمنى أن تكون له قبرًا فقال:
فيا دارُ لم يُفْقِرْكِ منا اخْتيارُنا
ولكنَّ أَقْدارًا منَ اللهِ أُنْفِذَتْ ... تُدَمِّرنا طَوْعًا لما حَلَّ أو قَهْرا17-
وبكاها ابن شهيد أيضًا فقال: ... يبكي بعينٍ دَمْعُها مُتفَجِّرُ
فَلِمِثْلِ قُرْطبةٍ يَقِلُّ بُكاءُ مَنْ
دارٌ أَقالَ اللهُ عَثرَةَ أَهْلِها ... فَتَبْربَروا وتَغَرَّبوا وتَمَصَّروا
في كلِّ ناحيةٍ فريقٌ منهمُ ... مُتَفَطِّرٌ لِفِراقِها مُتَحَيِّر18-
وبكاها آخر بقصيدة منها: ... فَقدْ دَهَتْها نَظَرَةُ العَيْنِ
إِبْكِ على قُرْطُبَةَ الزَّيْنِ
كانَتْ على الغايةِ مِنْ حُسْنِها ... وعَيْشِها المُسْتَعْذَبِ اللَّيْنِ
فانعَكَسَ الأمرُ فما إِن تَرَى ... بها سُرورًا بَيْنَ اثْنَيْنِ
فَاغْدُ ودَعْها وسِرْ سالمًا ... إنْ كُنْتَ أزمَعْتَ عَلَى البَيْنِ