*وجاءت سنة 1798م لتشهد مصر حملة نابليون بونابرت. وفي معركة قصيرة قرب القاهرة انتصر الجيش الفرنسي وتشتت المماليك الذين كانوا يجسدون التخلف قيادة وترتيبًا وعتادًا أمام القوة الغازية التي كانت تتمتع بقيادة قادرة وتنظيم محكم وسلاح حديث. لقد كانت هذه المعركة صدامًا حضاريًا بين العصر الحديث، بكل معارفه ومنجزاته العلمية وبين القرون الوسطى التي تجاوزها الزمن وصارت قطعًا مبعثرة في زوايا المتاحف.
هزم المماليك، ولم يهزم شعب مصر، إذ نهض هذا الشعب، وقد أيقظته المفاجأة يدفع المغيرين عن أرضه وكرامته، وما هي إلا سنوات ثلاث حتى انسحب الجيش الفرنسي من مصر بتاريخ 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1801م وهو اليوم الذي ولد فيه رفاعة رافع الطهطاوي.
لقد انسحب الفرنسيون بدافع مقاومة الشعب للاحتلال، ومعارضة الدولة العثمانية وبريطانيا للوجود الفرنسي بمصر، ولكن أثر هذه الحملة ظل مستمرًا لما أثارته من تساؤلات في عقول المصريين، وكان للعلماء والأدباء والمفكرين الذين اصطحبهم بونابرت معه، ثم استمر تدفقهم إلى مصر بعده، تأثيرًا كبيرًا على الطليعة الواعية المخلصة من المصريين.
*لقد تساءل القوم: لماذا انتصر جيش بونابرت على جيش المماليك في ساعات معدودات؟ لماذا يملك الغرب أسلحة ومعدات متطورة فعالة لا تملك مصر ما يماثلها نجاعة وجدوى؟ لماذا يكون شعب مصر، ومثله سائر الشعوب العربية، فريسة للجهل ولا يعطى فرصة للتعلم والتقدم، في وقت قطع أهل الغرب فيه أشواطًا بعيدة في مضمار العلوم والآداب والفنون؟ لماذا يحكم مصر أناس دخلاء ليسوا من أهلها، ولا يحكمها قادة من أبنائها، وهي البلد ذو الماضي المجيد والعز الغابر؟
من هذه التساؤلات الملحة انبثقت في عقول المصريين وقلوبهم أفكار ومشاعر شتى:
1-إنكار ما هم عليه من حال سيئة والتفكير بتغيير هذه الحال.
2-إدراك أن ثمة علومًا ينبغي تعلمها وصناعات يجب إتقانها.