ففي مرحلة (ما قبل عبد القاهر) أشار د. سلطاني إلى أن الباقلاني كان مضطرًا إلى استخدام طرائق المتكلمين للتدليل على إعجاز القرآن:"غير أن الباقلاني لم يدلنا على الوجوه التي تصلح مقياسًا لإدراك إعجاز النظم، ويعجز البشر عن اللحاق بها.. فلم يلبث أن هداه تفكيره إلى محاولة جديدة، لبس لها رداء المتكلمين ليصيب هدفه من أقرب السبل وأوضحها، بعد أن تزود لها بمنطلق جديد لا صلة له بالتلمس هدفه من أقرب السبل وأوضحها، بعد أن تزود لها بمنطلق جديد لا صلة له بالتلمس الفني لجوانب الإعجاز، فعمد إلى تصنيف الناس ثلاثة أصناف: أعجمي وعربي كالأعجمي وعربي قد تناهى في الفصاحة والبيان. فإذا عجزت الفئة الثالثة عن محاكاة القرآن ومعارضة بيانه الفذ، وهم العرب الأقدمون بعد أن لمسوا تفوقه وإعجازه، فالفئات الأخرى لبلوغ ذلك أعجز" (8) .
إن بروز تيار أدبي انهمك بالاعتناء بالسجع وتنسيق توافق الكلمات من حيث اللفظ دون المعنى، أدى في القرن الخامس للهجرة إلى ردة فعل تجلت في الدعوة إلى إهمال الشعر والانصراف عن النحو. وقد تصدى الإمام عبد القاهر الجرجاني للتيار الذي اهتم باللفظ دون المعنى. وهاجم الدعوة إلى اهمال الشعر والانصراف عن علم النحو. وأكد أن البلاغة ليست أمرًا مستقلًا عن اللغة، وبيّن أن البلاغة تساعد اللغة على أداء وظيفتها المتمثلة في الاتصال. فكان كتابه"دلائل الإعجاز في علم المعاني"بداية مرحلة جديدة في تاريخ علم اللغة العربية هي مرحلة الدراسة الوظيفية للغة العربية واشتمل كتاب"دلائل الإعجاز"على نظرية متكاملة في اللغة ووظائفها. وقد قمت ببلورة نظرية الإمام الجرجاني اللغوية وحددت موقعها في علم اللغة العام الحديث في كتابي"الموجز في شرح (دلائل الإعجاز في علم المعاني) (9) ."
وقبل أن أعرض رأي الإمام الجرجاني في إعجاز القرآن، سأقدم بعض التوضيحات للمفاهيم والمصطلحات التي يستخدمها الجرجاني.