والذي يغلب على الظن أن زوجة زهير لا علاقة لها بالنص فحوار العاذلة نمط شائع في الشعر الجاهلي لا سيما في افتتاح نصوص الفخر بمزاولة قيم العرف الاجتماعي المثلى ولهذا حفل بهذا الافتتاح شعر الأجواد والفرسان، وليس بمستبعد أبدًا أن تكون العاذلة هي الصوت الخفي الذي يدور في داخل نفس الشاعر ويبصره بما قد ينجم عنه موقف ممارسة قيم العرف من تضحية وخسارة فهو يرد على هذا الصوت من خلال الحوار الذي يعلن فيه إصراره على الموقف الذي قرره وجعل الحوار محض متفذ فني لإعلامه.
ويمارس زهير اللوحة نفسها ولكنه يختصرها في بيت واحد يصدر به قصيدة في مديح سنان بن أبي حارثة ويفتحه على أربعة أبيات في الفخر الذاتي أيضًا.
غدت عّذّالتايَ فقلت مهلًا
فقد أبقت صرف الدهر مني ... عروف العرف تراك الهوان
(الديوان 346) ... قعودًا لديه بالصريم عواذله
وواضح أن شخصية المرأة نفسها مختفية في اللوحتين شأنها في عشرات افتتاحات حوار العاذلة المتداولة عند الجاهليين فليس لزهير أية إضافة موضوعية أو فنية فيهما، بيد أننا قد نلمح تطويرًا للنمط في نص آخر مدح به حصن بن حذيفة وعمد في مقطع المديح إلى رسم صورة عواذل ممدوحه اللواتي يَلُمنه على بذله المال فلا يجدن عنده إلا إعراضًا وإصرارًا على ما هو فيه من ممارسة قيم العرف
بكرت عليه غدوة فوجدته
يُفَدَّينه طورًا وطورًا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتِلُة
فأقصرن منه عن كريم مرزًا ... جموعٍ على الأمر الذي هو فاعله
(الديوان 140)
فالصيغة غير معهودة في مجرى قصيدة المديح الجاهلية ولعل زهيرًا هو السبّاق إلى توظيفها فيه وإن ظلت صورة المرأة نفسها لا تعدو حدود توظيف صوتها الرافض للصيغة التي يطمح الشاعر إلى تقريرها في نصه الشعري.