فهرس الكتاب

الصفحة 16947 من 23694

وليس الشأن في موضع اللوحة من النص الشعري، وزهير لم يخرج في هذا عن سنن الجاهليين الذين يندر أن يصدروا نصوصهم بالغزل، ولكن الشأن في قدرة هذه اللوحة على الكشف عن معاناة موضوعية أو فنية ما في تجارب زهير الشعرية.

أما طول لوحات غزله وأقدرها على إتاحة فرصة التأمل والاستقراء فهي التي مارسها في هزيمته التي هدد بها بني حصن وافتتحها بلوحة طللية ولوحة ظعن ثم خرج من لوحة الظعن إلى قوله:

تنازعها المها شبهًا ودر الـ

فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء

وأما المقلتان فمن مهاة ... وللدرِّ الملاحة والصفاء

فَصرِّمْ حبلها إذ صرمته ... وعادك أن تلاقيها العداء

(الديوان 61) ... فيمن فالقوادم فالحساء

وواضح تمامًا أن زهيرًا بدا منهمكًا في رسم لوحة جمالية أنيقة تقوم في بنيتها الأدائية على استثارة دهشة المتلقي والوصول إليه من الزاوية التأثيرية المفترضة، فثمة استحضار إجمالي لملامح الحسن في صورة المرأة سرعان ما تناح تفاصيله في تشبيهات متلاحقة تقرر الآفاق المتشعبة للتشبيهات الإجمالية، علمًا أن التشبيهات التفصيلية تتخذ مجرى رتيبًا أولًا سرعان ما تفاجئ المتلقي بصدمة التضاد الذي يحدثه قلب التشبيه (فويق العقد ... من أدماء) (المقلتان ... من مهاة) والمتوقع أن تكون (الملاحة والصفاء من الدر) ولكن زهيرًا يضع متلقيه أمام معادلة مقلوبة (للدر الملاحة والصفاء) ليكسر رواية إيقاع التشبيهات ويستدر هذه الاستجابة النادرة التي تحدثها صدمة الدهشة من مواجهة التيار المضاد في المجرى الأدائي نفسه.

ذلك كله على صعيد الصياغة الفنية، أما على صعيد المعاناة فإن الأمر يتخذ مسارًا آخر تمامًا ذلك أن اللوحة حين تشف عن هذا التأنق المقصود في الخطوط والألوان تبقى عاجزة عن الكشف عن زخم نفسي أصيل فهي ترد في قصيدة يهدد فيها بني حصن ويهجوهم غاضبًا لرجل غطفاني سلبوه ما له فهو يفتتحها بلوحة طلل عاف لم يَعْدُ لهُ أثر.

عفا من آل فاطمة الجواء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت