والمجرى الأدائي ينبئ عن تناقض خفي في الموقف برمته، فأين (صحوة القلب) من اللب الذي (لا يسلو) ؟ وأين أوبة (ذكر الأحبة) من معاناة ثماني سنوات ظل الشاعر فيها مترجحًا بين حلاوة الوصف ومرارة الهجر؟ أما هذا القسم على الرحيل فيبدو تخلصًا مباغتًا من لوحة النسيب التي لم يطل فيها النفس حتى بدت محض التزام بتقليد ظل الشاعر فيها مشغولًا بممدوحيه أكثر من انشغاله بسلمى وما أحدثه حبها في النفس أما صحوة القلب الأخرى عن سلمى فهي في افتتاح قصيدة مدح بها حصن بن حذيفة فقال:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
وأقصر عما تعلمين وسددت ... عليَّ سوى قصد السبيل معادله
وقال العذارى إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط نزايله
فأصبحن ما يعرفن إلا خليقتي ... وإلا سواد الرأس والشيب شامله
(الديوان 124) ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله
وهنا يبدو زهير أقرب إلى الصدق في التعبير عن هوية لوحة النسيب، فصحوة القلب هي نفسها ولكن محاولة تصوير التعلن واستحالة سلو القلب التي مارسها في اللوحة السابقة تتراجع هنا أمام ضغط مأساة الشيب الذي أحكم الشاعر (فأقصر) عما كان من نزعات، ثم ما كان له عند العذارى إلا هذه الطعنة الخفية (إنما أنت عمنا) ولهذا فإنه يهرع بعد أبيات النسيب والشيب الأربعة هذه إلى لوحة طلل يمارسها بعدها وذلك نمط لا نعرف له مثيلًا فيما بين أيدينا من نصوص جاهلية:
لمن طلل كالوحي عاف منازله
ثم لا تؤمئ أبيات اللوحة الطللية الثلاثة إلى أية امرأة راحلة فليس ثمة إلا ذكر للمواضع المحيطة بالطلل تستغرق البيتين الآخرين اللذين ينفتحان على لوحة صيد بالفرس. ... ولقد يكون تواصل وإخاء