وأول ما ينبغي أن نلحظه هو الكثافة النسبية لعدد لوحات النسيب التي تتصدر نصوصه فثمة سبعة نصوص في ديوانه مفتتحة بالنسيب، بيد أن اثنين منها مما أشرنا إلى أن الأدلة التوثيقية تنفي نسبتهما إليه31 وهكذا يبقى بين أيدينا خمسة نصوص فقط ثلاثة منها في المديح وواحد في الهجاء وواحد لا تنفتح لوحات افتتاحه على غرض شعري32
وقد رأينا أن زهيرًا قد يجنح إلى النسيب بعد لوحاته الطللية أو في أثنائها فيفرد البيت أو البيتين ولا يطيل فإذا أضفنا إلى ذلك لوحة نسيب وردت في نص افتتحه بحوار العاذلة ثم وصف رحلته على بعيد ثم مارس النسيب33 كان لنا أن نقرر أن تجربة النسيب عنده يشكل نسبة أعلى منها في شعر عدد كبير من فحول عصره، بيد أن هذه الكثافة لا ينبغي أن تغرينا بتصور تميز نوعي، فإننا لنستطيع -ونحن نتأمل لوحات نسبية- أن نقرر أن النسيب عنده لم يكن ينبع من قلب شغفه وجد أو مسته لوعة فراق، وحسبنا أن نلاحظ أن فراق المرأة عنده كان يعني (صحوة) قلبه عنها، فهو يفتتح لوحتي نسيب بهذه المفردة التي تضعنا إزاء تجربة فنية لا تمت التجربة الموضوعية بأية صلة، أما أولى اللوحتين فهي افتتاح قصيدة مدح بها هرم بن سنان وقومه فقال:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو
وقد كنت من سلمى سنينًا ثمانيًا ... على صير أمر ما يمر وما يحلو
وكنت إذا ما جئت يومًا لحاجة ... مضت وأجمت حاجة الغد ما تخلو
وكل محب أعقب النأي لبه ... سلو فؤاد غير لبّك ما يسلو
تأوّبتي ذكر الأحبة بعدما ... هجعت ودوني قلة الحزن فالرمل
فأقسمت جهدًا بالمنازل من منى ... وما سُحفت فيه المقاديم والقمل
لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل
إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم ... أصاغرهم وكل فحل له نجل
(الديوان 96) ... وعري أفراس الصبا ورواحله