فهرس الكتاب

الصفحة 16943 من 23694

وما يدرينا لعل القصيدة في الأصل كانت محاولة لإنهاء جفوة وقعت بين الشاعر وممدوحه، فلا يخلو من دلالة ما اتجه إليه الشاعر من تصوير دموعه التي ذرفها على أثر الراحلين فأبدع صورة لا يطالعنا نظيرها فيما وصل إلينا من تراث جاهلي:

كأن عينيّ في غربي مقتلة

تمطو الرّشاءَ وتجري في ثنايتها ... من المحالة ثقبًا رائدًا قلقا

لها أداة وأعوان غدون لها ... قِتْبْ وغرب إذا ما أفرغ انسحقا

وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائمًا دفقا

يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا

يخرجن من شربات ماؤها طَحِلٌ ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا

(الديوان 37) ... وأقفر من سلمى التعانيق والثقل

ويؤكد هذا الذي نذهب إليه أن في ديوان زهير قصيدة أخرى افتتحها بالطلل ثم صور ظعن صاحبة الطلل وعاد إلى تشبيه دمعه بالماء الذي يتدفق من دلاء البئر، وكانت القصيدة في مديح هرم أيضًا30 أليس من حقنا أن نذهب إلى أن القصيدتين قبلتا في إطار الحالة النفسية المتأزمة نفسها؟

إن تضافر نتائج الاستقراء الفني على تقرير مثل هذه الحقائق يبقى بحاجة إلى التوثيق التاريخي ولكن رواة الشعر الجاهلي ما كانوا يعنون عناية كافية برواية البواعث الشخصية للنصوص التي يروونها ولهذا لم يعد ثمة مجال لمتابعة تلك البواعث إلا من خلال القرائن الفنية الصرف.

وعلى الرغم من هذه المتغيرات التي أومأنا إليها في لوحتي الطلل والظعن عند زهير فإن الخروج بنتائج تفصيلية دقيقة عن طبيعة تعامله مع صورة المرأة فيهما قد يبدو بعيد الاحتمال لأن زهيرًا -شأنه شأن الشعراء الجاهليين- لم يستحضر صورة المرأة فيهما إلا من منطلق افتراض حضورها التقليدي المتداول، ومن هنا تبدو فرصة استشراف طبيعة موقع المرأة من تجربته الفنية ضئيلة جدًا في هاتين اللوحتين، بيد أن ديوان زهير يمنح تلك الفرصة في لوحات النسيب والغزل التي مارسها في عدد يسير من نصوصه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت