فمن غير المتوقع أن يقوم العرب في القرن الأول الهجري برسم الخرائط المعقدة، إذ يقترن اسم (الحجاج بن يوسف الثقفي) ـ ت عام (95هـ=714م) ، برسم أول خارطة رسمها العرب، ففي عام (89هـ=708م) ، بعث رسالة إلى قتيبة بن مسلم، بعد أن طال انتظاره في فتح بلاد الديلم طالبًا منه:"صورها لي"فبعث إليه بصورتها، فجاء الرد: ارجع إلى مراغتك، أي مدينة المراغة الواقعة شمال غربي إيران، فتب إلى الله تعالى مما كنت فيه، وأْتها من مكان كذا.
ولمّا جاء وفد الديلم إلى الحجاج، أخرج لهم صورة بلادهم، فقالوا:"لقد صدقوك هذه صورتها، إلا أنهم لم يذكروا الرجال الذين يدافعون عن تلك البلاد، وستعلم ذلك لو تكلفته (18) ، وفي مطلع العهد العباسي، وذلك خلال حكم أبي جعفر المنصور (136-158هـ=754-755م) ، رُسمت صورة لمستنقعات البصرة، وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الخرائط، فإن معرفة العرب المباشرة لهذه المناطق، إلى جانب الأساليب البسيطة المتبعة في رسم هذه الخرائط هي التي مكنتهم من رسمها."
وقد أسفرت دراسة المعارف الكارتوغرافية والجغرافية الهندية، الفارسية، واليونانية خلال القرنين الثاني والثالث الهجري عن رسم صورة مستديرة للأرض، ومنذ ذلك الحين، حتى القرن العاشر الهجري، عُرف رسم الخرائط بشكل جيد، وقد مرّ هذا العلم بعدة مراحل، حيث رسم الجغرافيون المسلمون خرائط للعالم، وخرائط إقليمية وبحرية، وهم إن قلدوا في البدء أساتذتهم وخاصة الإغريق، فإنهم استبدلوا المفاهيم الأجنبية بأساليب ابتكروها، استنادًا إلى تجاربهم الخاصة. (19)