وإذا كان لا بد من حدوث تقاطع حاد بين الذات الاجتماعية للشاعر والذات الإبداعية، فإن ظاهرة الطيف عند البحتري ما هي إلا عملية استيهام تعكس الذات الإبداعية في حالة حريتها المطلقة، لا من قيود العلاقات السياسية والاجتماعية فحسب- وقد أسلم نفسه لهذه القيود في جزء كبير من حياته- بل من قيود الرقابة العقلية على تفكير الإنسان وعلى سلوكه العام، غير أن هذه الذات الإبداعية لديه لا يبارحها ضابط من وعي جلي يسمح للشاعر باحتوائها والتصرف فيها، كما تسمح أوتار الآلة الموسيقية لصاحبها أن يعزف عليها ما يشاء من أنغام وألحان. ولذلك نجد الحلم عنده حلمًا منظمًا غير اعتباطي، وإن كانت الأحلام في العادة تتسم بالتشوش والتداخل، وفي هذا السياق يرى الشاعر الفرنسي بول فاليري [1] "أن الشرط الحقيقي للشاعر الحق أنه يميز حالة الحلم". وقد استطاع البحتري برهافة فائقة أن ينجح في تمييز حالة الحلم هذه، وأن يغنِّي كما شاءت معاناته الوجدانية وتجربته الفنية، وإن كنا نجده في يقظة من يقظات الذهن ينحسر عن عينيه القناع، وتباغته الخيبة، فيقول [2] : ... تسري إلينا بأباطيلها
أما الخيالات فلم تنفكك
ولم نعد منها إلى طائل ... غير الأمانيِّ وتضليلها
وليس عجيبًا أن يطلق البحتري بوعي تام هذا الاعتراف المريع ببطلان الخيال وتضليله، لأن طبيعة الشاعر طبيعة صدامية مستمرة، يلتقي فيها في لحظة مفاجئة ما هو متخيل بما هو عقلاني، وما هو مكبوت بما هو مباح، وما هو موضع شك بما هو موضع يقين، ألم يقل البحتري مصورًا ما يعتريه من نوازع أمام زيارة الطيف [3] : ... به أنه حق، وطورًا أصدق
أقسِّم فيه الظن طورًا مكذبًا
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه ... فلله شكي حين أرجو وأفرق
(1) -"منوعات"1. ص 56.
(2) - الديوان: 3/1786.
(3) - الديوان: 3/1534.