وإذا كان شاعرنا البحتري قد ركن إلى هذا الوهم الجميل الذي اصطنعه بنفسه، واستسلم إليه، فغذى به شاعريته الفذة وموهبته المبدعة، فإن أستاذه أبا تمام كان قد اصطنع قبله مثل هذا الوهم، ولكنه لم يركن إليه، ولم يستسلم إلى سلطانه، وذلك أن أبا تمام شاعر لا يفتأ يديم الفكر في الأمور الحادثة في النفس أو في الواقع، ويبحث بعقله عن حقائقها وأسبابها، وكأنما لا يكفيه من الوردة لونها ورائحتها، بل يعمد إلى تشريح أوراقها، والكشف عن مكونات أنسجتها، فإذا به يفسد المتعة بالطيف والأنس به، حين يذهب إلى تحكيم المقاييس العقلية والمعايير المنطقية، فيأبى على هذا الطيف قدرته على الإلمام والزيارة، ولا يرى في الأمر سوى أوهام وأحلام يختلقها الفكر ويخترعها الخيال، فيقول [1] :
عادك الزَّور ليلة الرمل من رملة بين الحمى وبين المطالي
نم فما زارك الخيال ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال
فما زاد أبو تمام على أن"كشف عن العلة في طروق الخيال، وبيَّن عن المعنى"كما قال الآمدي [2] .
وما لنا نقارن بين أبي تمام والبحتري في طروق الخيال، وقد ذكر الشريف المرتضى قلة احتفال أبي تمام بهذا الموضوع وإقباله عليه [3] . فتفرد به البحتري وجعله ركنًا جوهريًا من أركان عالمه الشعري الفياض.
المراجع
-حماسة ابن الشجري، ط حيدر آباد، سنة 1345هـ.
-ديوان البحتري، تحقيق حسن كامل الصيرفي، ط مصر، سنة 1963.
-شرح ديوان الحماسة للمرزوقي، نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون في مصر، سنة 1951.
-طيف الخيال للشريف المرتضى. تحقيق حسن كامل الصيرفي، ط مصر، سنة 1962.
-غرر الفوائد ودرر القلائد (أمالي المرتضى) للشريف المرتضى، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى الحلبي، سنة 1954.
-الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري للآمدي، تحقيق سيّد أحمد صقر، ط مصر، سنة 1961.
(1) - ديوان أبي تمام: ص459.
(2) -"الموازنة"ج2، ص 168.
(3) -"طيف الخيال"ص4.