لقد آثر البحتري أن يبتعد عن الموروث التقليدي المسالم في العملية الشعرية، وأن يقترب من حافة المغامرة الصعبة، فكان عليه أن يطوح بكل مفردات العالم المعقول ومكوناته الذهنية الأساسية، وأن يدفع بنفسه إلى عالم تهتز فيه وظائف الحس ووظائف العقل، وتنهار الحواجز بين المألوف والمدهش، والحق والباطل، والحلم والحقيقة، ثم أن يقف وحده يواجه هذا الوجود الغيابي، بتنويعاته الشعرية، ورؤاه الملونة وكلماته ذات القوة الجوهرية الملموسة، ويكشف لنا بحذر شديد بعضًا من تحولات هذا الوجود المبتدعة ومشاهده الغريبة، وذلك من خلال لمحات خاطفة وومضات عارضة تشي بهذا الوجود وتنم عنه [1] : ... وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع
ترى مقلتي ما لاترى في لقائه
ويكفيك من حق تخيُّلُ باطل ... تُرد به نفس اللهيف فترجع
(1) - الديوان: 2/1268.