وإذا كان علماء النفس يذهبون في تفسير الأحلام إلى أنها بديل عن الواقع المحروم، وتعويض عن المرتجى المؤمل، فإن البحتري قد أدرك هذه الحقيقة بحسه الشعري المرهف، وبصيرته الوجدانية النافذة، فلتمعن المحبوبة في هجر الشاعر، ولتمنعه الأيام من الوصال، فحسبه أن يطبق أجفانه، ويستسلم للنوم، حتى تبرز أمامه في الحلم، لا تفصلهما حجب، ولا تباعد بينهما ستور، فإذا هي الفاتنة التي تجود بعد بخل، وتصل بعد انقطاع [1] : ... لأرتاح منها للخيال المؤرق
وإني وإن ضنت علي بودها
فكم غلة للشوق أطفأتُ حرها ... بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضم عليه جفن عيني تعلقًا ... به عند إجلاء النعاس المرنق
ولكنها لذة لا تلبُّث لها ولا بقاء، ومتعة محكومة بالزوال والانقضاء، وذلك حينما تخلق برود الظلام، وتسطع تباشير الصباح، فإذا هي الحسرة التي لا تنقضي، والعذاب الذي لا ينقطع [2] : ... أواخر حبٍّ أخلفتني أوائله
أرجِّم في ليلى الظنون وأرتجي
وليلة هوَّمنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفَيْ غزال بت وهنًا أغازله
فكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تُذم غوائله
وكيف لا يأسى الشاعر لغياب الطيف وزواله، وفي حضوره شفاء لقلبه المعنى وري لنفسه الظامئة [3] : ... وري الصاديات من الظَّماء
وفي طيف الخيال شفا المعنى
وهكذا يصطدم عند البحتري شقاء الواقع بهناءة الحلم، وعذاب اليقظة بنعيم الرقاد، وبين هذا وذاك يزداد الوجدان الشعري حدة ومعاناة، وشرارة الإبداع تألقًا ووميضًا، ويستحيل التعبير الشعري إلى مناجاة غنائية شفيفة تتبدى في قوله [4] : ... غزالًا تراعيه الجآذر أغيدا
سقى الغيث أجراعًا عهدت بجوها
إذا ما الكرى أهدى إلي خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعته من يديَّ انتباهة ... عددت حبيبًا راح مني أو غدا
(1) - الديوان: 3/1508.
(2) - الديوان: 3/1610.
(3) - الديوان: 1/46.
(4) - الديوان: 2/670.