أما القاضي الجرجاني فإن كتابه"الوساطة"يعد من أهم كتب النقد في القرن الرابع الهجري، لأنه يتصل بأكبر شعراء ذلك القرن، دون منازع، ولا يزال كذلك حتى اليوم، وقد حاول المؤلف جهده أن يكون، كما هي صفته، قاضيًا نزيهًا، وناقدًا موضوعيًا، يناقش كثيرًا من مشكلات النقد مناقشة علمية منهجية مبينًا ما للشاعر وما عليه. ويرى أن الشاعر ليس معصومًا، فهو بشر يجيد ويخطئ، ولكن غلبة الحسنات على السيئات هي التي ترفع الشاعر درجة أو درجات. ويرى الجرجاني أيضًا أن الشعر يساير العصر ويتطور بتطور الزمن، وهو ينبع من البيئة ويتلاءم معها، وأجمل الشعر ما كان بعيدًا عن التكلف، لاصقًا بالطبع، وفي مفارقة الطبع قلة الحلاوة وذهاب الرونق وإخلاق الديباجة. ويوازن في ذلك بين المتنبي وشعراء آخرين من القدماء والمحدثين، كما يتعرض لسرقات المتنبي، وينبه إلى أن تهمة السرقة لا ينبغي أن تطلق جزافًا على كل من تشابه لفظه ومعناه، بل لها حدود وأصول ودرجات ما بين سرقة أو إغارة واختلاس، وما بين إلمام أو ملاحظة، ومشترك عام بين الشعراء، ومبتذل ليس أحد أولى به، وهناك المعنى المختص الذي حازه السابق فملكه، ثم جاء من اقتطعه واستولى عليه، فصار المعتدي مختلسًا سارقًا. وفي هذا السياق يدافع الجرجاني عن المتنبي في بعض ما ألصق به من تهمة السرقة من سابقيه، من خلال ما يضعه من مقاييس وضوابط لذلك.
ومما يورده القاضي الجرجاني في معرض الموازنة بين المتنبي وغيره أن المتنبي أجاد وأحسن حين قال:
إذا كان شَمٌّ الرّوح أدنى إليكمُ
وأن البحتري أقل جودة حين قال في المعنى نفسه: ... تنفَّس في جنحٍ من الليلِ باردِ
يذكّرنا ريّا الأحبةِ كلّما