ويبلغ نقد الشعر أوجَهُ عند ناقدين اثنين هما: الحسن بن بشر الآمدي (-370هـ) والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (-392هـ) إذ ألف الأول كتابه"الموازنة بين أبي تمام والبحتري"، وألف الثاني كتاب"الوساطة بين المتنبي وخصومه"، وكلا الكتابين من الكتب النقدية التي ألفت إثر ضجة نقدية ثارت حول شعراء معينين كأبي تمام الطائي، والبحتري، والمتنبي. وكلا هذين الكتابين زاخر بالشواهد الشعرية التي كانت محل نظرٍ أو موضع نقد في شعر أولئك الشعراء الثلاثة، إلى جانب أبيات أخرى قالها شعراء آخرون ذكرت بقصد الموازنة والمفاضلة بين شاعر وآخر في حكم نقدي يتعلق بالخصائص الفنية لكل شاعر، وما أخذ عليه أو استحسن من شعره. ... صَبٌّ قد استعذبتُ ماءَ بكائي
ففي كتاب"الموازنة"نقد لقول أبي تمام، على سبيل المثال:
لا تَسقِني ماءَ المَلامِ فإنني
لأنه جعل للملام ماء، وهي صورة مجازية وجد فيها بعضهم شكلًا من العرابة. ... في الكفّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ
وفيه أيضًا، على سبيل المثال، ما أخذ على البحتري من خطأ في التعبير في قوله يصف الشراب في الإناء:
يُخفي الزجاجةَ لونُها فكأنها
فهذا- كما قيل- وصف للإناء لا للشراب، لأنه لو ملأ الإناء دبسًا لكان هذا وصفًا له أيضًا. وقد حاول الآمدي أن يوضح في كتاب"الموازنة"مذهب كل من الشاعرين الطائيين، وخصائصه العربية، مع الموازنة بينهما، ولكنه بدا منحازًا إلى أبي تمام أكثر من البحتري. ... فلا بَرحتْني روضةٌ وقَبولُ