هذه الكتب السابقة بلاغية الطابع، في جملتها، ولكنها لم تخل في الوقت نفسه من نظرات نقدية في سرد الأبيات الشعرية ومواطن الجمال أو النقصان فيها، فكتاب"البديع"لابن المعتز- على سبيل المثال- جعل الفنون البلاغية أساسًا للنقد الأدبي، وهو ثروة نقدية إلى جانب كونه ثروة لغوية وبلاغية. ومثل ذلك كتاب"نقد الشعر"لقدامة، الذي جمع نظرات نقدية وأدبية في الشعر إلى جانب عنايته بالبلاغة، ومزج بين ذلك كله، ولكن النزعة البلاغية تسيطر عليه، على الرغم مما يوحي عنوانه من أنه في نقد الشعر. وهكذا سائر الكتب البلاغية الأخرى التي سبق الحديث عنها.
وإلى جانب هذه الكتب كتب ورسائل أخرى عنيت بالشعر العربي من وجهة نظر نقدية، غلبت عليها دون غيرها، بعد البدايات الأولى للكتب النقدية، وبدأت مقاييس الشعر تتسع وتتعمق، بعد أن كانت متفاوتة بين النقاد، تفاوت أذواقهم وثقافاتهم، من حيث الاهتمام باللغة، أو النحو، أو المعاني، أو الألفاظ، أو العروض والقوافي. وقد تنصب مقاييسهم على موضوعات الشعر، فمن كان منهم أوسع تصرفًا فيها كان مقدمًا.
وربما كان كتاب"قواعد الشعر"لثعلب (-291هـ) بعد كتاب"فحولة الشعراء"للأصمعي من أوائل تلك الكتب التي حاول صاحبها أن يضع بعض المقاييس النقدية للشعر، كالإفراط في الإغراق، ولطافة المعنى، وحسن الخروج، وجزالة اللفظ، واتساق النظم.. وهو يكثر من الشواهد الشعرية وقلما يعلل ما يقول، فهو، مثلًا، يورد على"الإفراط في الإغراق"عدة أبيات شعرية متفرقة، منها قول الحطيئة يمدح ابن شماس:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
ومن شواهد لطافة المعنى عند ثعلب قول عروة بن الورد: ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
أقسم جسمي في جسوم كثيرة