وقد اقتصر الأمر في البداية على نظرات نقدية وبلاغية سريعة تأتي عرضًا في مجلس من المجالس، أو في بعض الكتب التي ألفت في القرن الهجري الثالث (التاسع للميلاد) مثل كتاب"طبقات فحول الشعراء"لابن سلام (-231هـ) وكتابي"البيان والتبيين"و"الحيوان"للجاحظ (-255هـ) ، وكتاب"الشعر والشعراء"لابن قتيبة (-276هـ) وكتاب"الكامل"للمبرد (-285هـ) .
وواصلت الحضارة العربية الإسلامية تقدمها فيما بقي من القرن الهجري الثالث وما تلاه من القرن الرابع، وازدهرت العلوم واتسعت على يد علماء الثقافة والمعرفة، وحظيت الدراسات البلاغية والنقدية بنصيب أوفى، على يد علماء وأدباء تركوا لنا مؤلفات تشهد بفضلهم، وبذلك وضعت كتب منهجية وأهمها ثلاثة كتب:
1-كتاب البديع، لابن المعتز (-296هـ) : ولهذا الكتاب قيمة خاصة لأنه أول كتاب في التأليف البلاغي، ذكر فيه مؤلفه فنونًا بلاغية كانت نواة لمن جاء بعده: كالاستعارة، وحسن التشبيه، والكناية، والالتفات والجناس ... الخ. وأكثر من الشواهد الشعرية وغيرها، وغايته من ذلك تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا القدماء إلى شيء من فنون البديع.
2-نقد الشعر: لقدامة بن جعفر (-337هـ) . ومؤلفه أديب بليغ، متمكن من علم المنطق والفلسفة، وانعكس ذلك في كتابه. وقد بدأه بتعرف الشعر بأنه"قول موزون مقفى يدل على معنى". ويذهب بعد ذلك إلى أن الشعر صناعة من الصناعات غايتها الجودة والإتقان، وأن في الإمكان- على هذا- تحديد شروط جودة الشعر ومظاهر رداءته، شأن الصناعات الأخرى. وهذه الشروط تستمد من تعريف الشعر الذي بدأ قدامة به كتابه.
من ذلك استخدامه لمصطلح"المساواة"وهي"أن يكون اللفظ مساويًا للمعنى حتى لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه ... وذلك مثل قول زهير:"
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
ومن عيوب الشعر عند قدامة"الإخلال"وهو أن يُترك من اللفظ ما به يتمّ به المعنى"كقول الحارث بن حِلّزة: ... النُّوكِ ممّن عاشَ كَدّا"