وقد أدى ذلك كله، فيما بعد، إلى متابعة الاهتمام بالشعر العربي وإلى عناية النقاد به من جهة، وعلماء البلاغة من جهة أخرى، إذ راحوا يدرسونه، ويحللونه، ويبحثون عن مواطن جماله ومكامن أسراره، وما قد يكون فيه من جوانب إيجابية تحوز الرضا والقبول والإعجاب، أو جوانب سلبية تكون موضعًا للنقد والمؤاخذة، وكثرت الكتب المؤلفة في دراسة الشعر العربي ونقده، بعضها ذو طابع نقدي يبين ما لهذا الشعر وما عليه، وبعضها ذو طابع بلاغي يتذوق هذا الشعر ويجد فيه مادة غنية لعناصر الفصاحة والبلاغة، وأصول البيان وتحسين الكلام بألوان المجاز والتصوير، وأنواع المحسنات البديعية، ويتضافر الجانبان: النظري والتطبيقي في ذلك كله.
وقد تأثر بعض أولئك المؤلفين بالمنطق اليوناني، وبما كتبه كل من أفلاطون وأرسطو عن الشعر، وطابعه، ووظائفه، ومهامه ... وكان العرب قد بدؤوا يطلعون على الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني منذ العصر العباسي سواء أكان ذلك عن طريق الترجمة والمترجمين، أم كان عن طريق الاطلاع مباشرة على العلوم اليونانية وغيرها.
وهناك جوانب أخرى بدا فيها ذلك التأثر والتأثير في المغرب العربي والإسلامي عن طريق الشعر خاصة، ولا سيما شعراء التروبادور الجوالين، الذين انتشروا في إسبانيا (الأندلس) وإيطاليا.
وهكذا انصرف علماء النقد والبلاغة إلى الشعر فحكموا أذواقهم فيه، وفي تبيان عيوبه، ووضعوا، بعد دراسة وتأمل طويلين، أسسًا منهجية في نقد الشعر، وبلاغته، والموازنة بين الشعراء، والبحث عن العلاقة بين الألفاظ والمعاني، والفوارق بين أصحاب الطبع في الشعر، وأصحاب الصنعة فيه.. كل ذلك وغيره كان مادة لما ألفه العلماء العرب من كتب تتناول الشعر العربي في ميداني البلاغة والنقد، وسارت في هذا الطريق جنبًا إلى جنب، في تمازج وتداخل تارة، وتفرد واستقلال تارة أخرى.