ويعد الشعر العربي- كما قيل- ديوان العرب، وسجل حياتهم، وعنوان رقيهم، أو دعوة وقائعهم وثقافتهم، وجعلوه مدار الأحاديث في مجالسهم وأسواقهم الأدبية، والمرافق لهم عندما تشتعل نار الحروب، وكانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتت إليها القبائل الأخرى فهنأتها، واحتفلوا بذلك، لأن في ظهور الشاعر حماية لأنفسهم، ودفاعًا عن أحسابهم وأنسابهم، وتخليدًا لمآثرهم، وإشادة بذكرهم بين سائر القبائل، والشاعر عندهم أشبه بوسائل الإعلام اليوم، فلا عجب إن كانت للشعر والشاعر تلك المنزلة، ولا عجب أيضًا أن يهتم العرب بالشعر هذا الاهتمام، فيحفظوه تارة، ويرووه على الأسماع تارات، ويتدارسوه في مجالسهم المختلفة قبل الإسلام وبعده، حتى أصبح بعد ذلك جوهر ميادين السياسة والأدب، وأس التربية والتعليم، وصاحب النصيب الكبير في التهذيب والتثقيف، في حلقات العلم التي كانت تعقد في قصور الخلفاء، والأمراء والوزراء، بل إن الشعر العربي صار منطلقًا لنشوء كثير من علوم اللغة العربية وتطورها ومدها بالنصوص والشواهد التي يحتاج إليها الدارسون، فضلًا عن أن هذا الشعر قد أضحى هو نفسه مادة للبحث والتحليل والنقد، إلى جانب كونه وسيلة إلى تربية الملكة الأدبية، وتنمية الموهبة الفنية، وصقل الذائقة النقدية والبلاغية.