بذلك يتجنب ابن سينا الدخول في متاهات النقاش الذي لايجدي نفعًا في العلاج والذي لايزال مطروحًا. أما عن التقويم العلمي لتراثنا النفسي ولخطاب الجنون فيه) فإن العودة إلى عوامل التقويم المعروضة أعلاه تبين لنا مدى أصالة هذا التراث وتأثيره على الراهن العلمي العالمي. فعلى الرغم من تبعثر مخطوطاتنا التراثية وتوزعها على مكتبات العالم، -وعلى الرغم من عدم الاهتمام بتحقيق جزء من أهم المخطوطات في تراث الإنسانية من حيث الدراسات الإنسانية في حقل النفس البشرية، فإن التراث النفسي العربي له حضوره القوي الذي أتاح له ممارسة آثار فاعلة في الفكر الطبي -النفسي الحديث. إذ إن أحدًا لاينكر إسهام هذا التراث وفعاليته في دفع تطور العلوم وحفاظه على معاصرة العديد من منطلقاته الفكرية العلمية التي سجلت السبق العلمي في عصرنا الراحل ولاتزال. تكفينا في هذا المجال الإشارة إلى ماسجله تراثنا من سبق في علاج الأمراض النفسية بالأدوية العشبية. فقد كان العرب سباقين لاستخدام الأفيون والحشيش في علاج الاضطرابات العقلية راهنًا تجري أبحاث في بلدان عديدة لاختبار هذه العلاجات). كما استخدموا نباتات ست الحسن وكف الثعلب التي لاتزال مستخدمة إلى اليوم وإن تراجع استخدامها. واستنادًا إلى حفاظ تراثنا على معاصرته اقترحنا في مؤتمر"نحو علم نفس عربي"العودة إلى تراثنا النفسي- الدوائي وتنويره بالمعطيات الصيدلانية الحديثة. وأعطينا مثالًا على ذلك إمكانية الجمع بين نبات ست الحسن وبين أحد المهدئات النفسية البسيطة، بحيث يستطيع المريض الاستغناء عن تناول هذه المهدئات بجرع كبيرة ويتجنب بذلك احتمالات اعتياد العقاقير الكيماوية. فإذا كنا عاجزين عن تحويل مثل هذه المشاريع فإن ذلك لاينتقص من معاصرة تراثنا بشيء.
5-في مواجهة الإشكالية التراثية.