في ذلك العصر بلغ الاهتمام بالموضوع حدود تأليف الكتب حول أخبار الحمقى والمجانين فقد كانت هذه الأخبار موضوع تندر وتسلية لدرجة أن بعضهم كان يدعي المرض يتحامق) لتحقيق غاياته. فمنهم من تحامق لينال غنى أوهبة أو حتى ليجد طعامه. ومنهم من تحامق لينجو بنفسه من مأزق مع السلطة. في المقابل فإن بعض المرضى الفعليين كان يظن أن تركيز هذيانه على النواحي الدينية يجعل هذيانه مقبولًا ويجعله يحظى بالعطف والتفهم. أما ادعاء النبوة فقد اختفى بسبب العقوبات الرادعة ليحل مكانه هذيان المهدوية ادعاء المريض بأنه المهدي المنتظر) أو ادعاء الزهد والتصوف. وهذا الادعاء الأخير لم يبلغ ذروته إلا في العصر اللاحق لنهاية العصر الذهبي للعباسيين. أما الجنون بالمعنى الذهاني أو المرض العقلي كما يعرف اليوم) فقد حمل مسمى مس الجن لغاية الفترة الأولى من العصر العباسي. ثم تم تغيير هذه النظرة على يد الأطباء العرب الذين تمكنوا من تبيين وتحديد علاقة أمراض الدماغ واضطراباته بالمرض العقلي الذي صنفوه إلى مالينخوليا وعشق واضطرابات إدراك وسلوك ناجمة عن أورام الدماغ أو اضطراباته وإلى عته ولادي. ولو نحن راجعنا تعريف المالنخوليا في كتب التراث لوجدنا أنها مقسمة إلى عدة أشكال عيادية تجمع أهم الذهانات المعروفة اليوم وأكثرها انتشارًا الاكتئاب والهوس والفصام والفصام الهذائي. وعن التفريق بين الاعتقاد الشعبي بمس الجن وبين النظرة العلمية نورد هذه المقولة لابن سينا إذ يقول في نسبة المالنخوليا إلى الجن:"ونحن لانبالي من حيث نتعلم الطب أن ذلك يقع عن الجن أولا يقع"بعد أن نقول: إنه إن كان يقع من الجن فيقع بأن يحيل المزاج إلى السوداء، فيكون سببه القريب السوداء، ثم ليكن سبب تلك السوداء جنًا أو غير جن"."