والواقع أن أيًا من هذه العوامل لم يحدد بعد بالدقة الكافية. كما يضيق المجال بنا لعرض التقديرات المعروضة والمنشورة حولها. لذا سنعمد إلى متابعة مفهوم الجنون في تراثنا منذ الجاهلية إلى اليوم. فإذا بدأنا بالعصر الجاهلي فإننا نجد محدودية ضوابط الحياة الغريزية المسؤولة عادة عن القلق وخصوصًا لجهة الجنس والحياة الجنسية، إذ إن قيم المجتمع الجاهلي كانت قيمًا رجولية مقياسها مدى فعالية الرجل في دعم استمرارية قبيلته. فكانت تساميات الجاهلية تتعلق بالفروسية والشجاعة والكرم والقدرة على التحمل الجسدي والفحولة، فإذا ماعدنا إلى مرويات العصر الجاهلي وجدنا أن الاضطرابات النفسية في حينه اقتصرت على الهيستيريا لدى النساء وعلى إدمان الخمر والحمق من طول معاشرة النساء ومخالطتهم، وبمعنى آخر فإن العصر الجاهلي قد اشتكى ودوّن من الاضطرابات النفسية تلك التي تشكل إعاقة للرجل عن القيام بالأدوار التي يطلبها منه مجتمعه القبلي.
وباعتمادنا معايير التقويم المعروضة أعلاه نلاحظ أن حجم المادة الموثقة من تراثنا الجاهلي ضئيل جدًا. لكنه يتمتع بجرعة من الراهنية والمعاصرة تجعله يمارس تأثيرًا مستديمًا ومستمرًا إلى اليوم. وفيه تحتل قيم الجاهلية مكانة بارزة في جهاز القيم العربي المعاصر. في حين أصبحت الممارسات الغريزية -الجاهلية موضع تحريم ديني واستنكار اجتماعي. فلو أننا راجعنا مفهوم الجنون في العصر الجاهلي لوجدناه معرفًا على النحو التالي: إنه العجز عن التكيف مع الواقع الاجتماعي -القتالي والانسياق المبالغ وراء ممارسات تفقد الشخص قدرته على الدفاع عن قبيلته وعن مكانتها.
بالانتقال إلى العصر الإسلامي الأول نجد أن المشركين قد عملوا على إلصاق تهمة الجنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه. فلما انتشر الإسلام وجدنا تصنيفًا خاصًا للاضطراب العقلي إذنلحظ ثلاث فئات: 1-الممسوسين من الجن و2-الحمقى و3-المجاذيب.