وعند هذين المشهدين يُنهي ابن شهيد إنشاده لينتقل إلى إبراز رأي عُتيبة في ذلك الإنشاد فلما انتهيتُ تأمّلني عتيبة) هذا يعني إصغاء عتيبة لذلك الإنشاد، والمفردة تأمّلني) توحي بتراخي الزّمن لأنّ فيها توقف النظر على ابن شهيد، وتفحّص تلك الشخصية، هذا الإنعام فيه إعجابٌ من عُتيبة، لذلك يأتي الحكم تتويجًا لذلك التأمل والإعجاب اذهب فقد أجزتك)، وهنا يفكّ السّحر، وتنتهي القصة بتوضيح الهدف (57) الذي من أجله نسج ابن شهيد قصته، وهو إثباته لذاته عن طريق نيل الإجازة من تابع امرئ القيس، هذه الإجازة تبرهن على إعجاب ابن شهيد بنفسه وتأتي لتأكيد صلة أدب المشرق بالمغرب، وتطلّع ابن شهيد إلى رئاسة الأدبين، ولا شكّ في ثقافته الواسعة التي سخّرها لخدمة نسيج القصة، كما تأتي هذه القصة عربية الشكل والمضمون لاستناد شكلها إلى الأسطورة العربية القديمة بوجود توابع للشعراء في وادي عبقر، واستقائها فكرة رحلة الإسراء والمعراج في نسج أحداثها، كما أنّها أتت عربيّة المضمون لما حوته من قص وشعر مرتبط بحضارة الأندلس من جهة، وبالتراث المشرقي من جهة أخرى.
4-جمالية التوصيل (58) .
وما هذه القصة إلاّ رسالة موجهة إلى الجمهور، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، كيف استطاع ابن شهيد إيصالها إلى المتلقي؟
لقد استطاع ابن شهيد إيصال فكرته للمتلقي من خلال تآلف التركيب، ووضوح اللفظ في رواية أحداث القصة التي أبرزت غير قليل من جوانبها، واضعًا نصب عينيه قضية التوصيل، والتأثير في المتلقي عن طريق السهولة والوضوح لأن الغموض في الرواية والإغراب في ألفاظها يقلّلان من قضية التأثير، ويفقدان النص الأدبي جمالية التوصيل (59) لأنه يصبح حُكرًا على طبقة محدّدة من المجتمع.