ويتجلى الصرّاع عن طريق الحوار مع الذات شجته مغانٍ)، وصيغة الماضي (46) الملازمة للمفردة شجته) ترتبط بالذكرى والذّكرى توحي بالألم الذي يعتصر الفؤاد، هذا الألم يوحي باللون الأحمر المعبّر عن الحالة النفسية التي انتابت ابن شهيد من الجرح الذي أدمى الديار التي وصلت إلى قمة الازدهار، وإذ برياح الفتن تهبّ عليها لتنال منها، والمغاني التي أشجت ابن شهيد هي ديار الأندلس، وبذلك يكون ابن شهيد قد عبّر عن حالته النفسية بشكل غير مباشر، لينقل انفعالاته إلى الآخرين، ويمضي ليستعيد أيام الازدهار التي وصلت إليها الأندلس، وهذا الحديث عن الازدهار ما هو إلا حالة تعوضية عمّا انتاب الأندلس من اضطرابات وفتن (47) .
ومن قبةٍ) والمفردة قبة) جاءت بصيغة النكرة (48) لتدلّ على عظمة تلك الديار التي فضّلت على ابن شهيد، وهنا إشارة إلى أصالته بعدم نكران فضل الأندلس عليه، والقبّة تنقل القارئ إلى جوّها ليتأمّل ذلك الجمال والسمو الذي وصلت إليه بحيث لا يدرك الطرف رأسها)، والقبة توحي باللون الأخضر المعبر عن فتوة الحضارة وشبابها قبيل الفتنة، كما تأتي القبة لتوضيح معالم نفسية ابن شهيد الملازمة للقمة والسمو، وكأنّ ابن شهيد يريد القول: إنني ألازم تلك القمة التي لا تدرك النفس الإنسانية رأسها مهمًا حملت من مشاعر الشوق لرؤيتها.
والذّوق المترف الذي تمثل به ابن شهيد يتجلّى بمجيئه بالمفردة تزلّ) التي تتفق وهي تلك القبة التي ازدهرت وسمت، كما أنها تشير إلى رونق البناء وجماله الهندسي، إذ إنّ الريح كالماء الذي ينساب منحدرًا إلى الأسفل، وهنا تكمن براعة التصوير ودقته المتناهية، في رسم حالة الازدهار التي وصلت إليها الأندلس.