ويتساءل زهير عن المكانة التي تمنح لابن شهيد وأيّ حمرةٍ يا عتيبة)، وبهذا التساؤل تنتهي مهمة زهير ليلقى ابن شهيد عتيبة هذا اللقاء هو الحدث الأهم في القصة لأنّه يؤدّي إلى المغزى من خلال الحوار الذي دار بينهما إذ يطلب عتيبة من ابن شهيد إنشاد الشعر، ويبدو ابن شهيد متواضعًا كما هي الحال في بداية القصة، هذا التواضع فيه اعتراف بسيادة امرئ القيس لأنه الأقدم، وهنا يحترم ابن شهيد من هو أكبر منه قدرًا، لأنّه يريد أن يظهر بمظهر الشاعر الممثّل لشعراء الأندلس عليه هيبة الكبار، وتسيّر سلوكه طبائع وعاداتٌ استقاها من الوسط الاجتماعي الأندلسي والقصّة في هذا السياق تقدّم جانبًا هامًّا من جوانب التربية (37) التي يتمثّل بها ذلك العصر، فقد هذبت طباعَه أناقةُ القصور التي استظلّ في أفيائها، وخالط أصنافًا متعدّدة من أبناء المجتمع أيام النعيم والبؤس، فهو نقطة الدّائرة في عصره يرفع الأمراء قدره، ويخطب الوزراء صداقته، ويتبارى الشعراء والكتّاب بمساجلته (38) ، كلّ هذه الأمور ترتبط بهدوء حديثه، ووقار كلامه، وبروز ذاته.
وابن شهيد عندما طلب من عتيبة الإنشاد ملقبًا إياه بالسيد، لم يكن لقبه عبثًا، بل كان يريد من هذا اللقب اعتراف عُتيبة به، كما أن عُتيبة عندما يسمع هذا الكلام ينتشي، وهذا ما حصل من خلال الحركات التي أبداها حتى إن المتلقي يخاله في زهوه وكبريائه يستعدٌ لأمرٍ عظيم، وهو في وادي الجن، وابن شهيد في أعلى الوادي، ويجمع بينهم الحوار، واستجابة عُتبة تقترن بالخيلاء من خلال الإيحاء الموجود في اللفظ فتطامح طرفه)، وهذه نظرة الكبار الذي يأنفون من انحناء الرّاس، كما أنّها ترتبط ببيئة القصّة فعتيبة في الوادي، ويريد الوصول إلى ابن شهيد.