ويمضي بالتصوير، فهو وزهير على متن الجواد في أعلى الوادي، وعتيبة في قعره والوادي لم يكن وروده عبثًا في هذا السياق بل جاء مرتبطًا بالأسطورة العربيّة القائلة بوجود وادي الجن الذي يقطن فيه ملهمو الشعراء، كما أنّ جوّ السياق يوحي بجنة خضراء مكتظة بالأشجار تجعل الناظر إليها يشعر ببطء الزمن لما فيها من ألوان وأشكال، كما تطرب النفس لصداح العصافير، الذي يُشعر النفس بالطمأنينة والهدوء، ويجعلها تنتشي لما ترى، وتطرب لما تسمع.
وفي هذا المشهد الطبيعي إشارة إلى فن توقف الفارس فأمال العنان)، والإمالة ترتبط بالمكان العالي، وفي ذلك دلالةٌ على ارتباط اللفظ بالمعنى في سياق القصة، ومفردة تنكسّر) تدلّ على الاستمرار والدّوام، كما أنّ الشدة الظاهرة على اللفظ توحي بكثرة الأشجار، وتداخلها، ومفردة تترنّم) تتلاءم مع ذلك الجو الطبيعي (30) الذي تصدح فيه العصافير، وتغنّي لجمال الطبيعة.
وينادي زهير صاحب امرئ القيس باسمه، ذاكرًا الأماكن التي ارتبط بها، هذه الأماكن تؤكد تواصل ابن شهيد مع التراث القديم، كما أنها تلخّص مسيرة حياة امرئ القيس وأيّام الترف والرخاء في دارة جلجل، وأيام البؤس والشقاء على زوال ملك كندة، فالبكاء على سقط اللوى فحومل.