هذه الجنة التي خالها ابن شهيد، تولّد حدثًا جديدًا تولد معه شخصية عتيبة صاحب امرئ القيس عبر الحوار الذي دار بين زهير وابن شهيد، والذي فيه إيجاز بحذف الحرف (26) يا) أداة النداء قبل أبا عامر) لأنه منادى قريب متلقف للحديث، ولو ذكرت لفقد التركيب إنسيابيته.
ومجينه بأسلوب الإضافة (27) لحظة استقباله يريد منه إكساب الكلمة تعريفًا حقيقيًا يرصد أبعادها بكل دقة ومهارة، لأن هذا الأسلوب يجعل السامع يألف معه امتزاج الدلالتين للمضاف والمضاف إليه، ولجوء ابن شهيد لهذا الأسلوب في هذا السياق يعني أنه يريد أن يرسم ملامح من هذا وأخرى من ذاك، فالأرض لا قيمة لها إن لم تكن هي هي أرض الجنّ)، وبهذا يتفرّع الأصل إلى فرع بحسب السياق، وبحسب ماهيّة الدلالة المفردة التي تتحوّل إلى دلالة مركبة تسهم في إغناء الصورة، وإعطائها قيمة تعبيرية ذات مدلولات كثيرة. وتحديد ماهية الأرض من خلال الحوار فيه دلالة على إسهام الحوار في قيادة الحدث إلى الشخصية، وتأتي الشخصية لتأصيل الحدث (28) .
ويستمر جو الوقار في هذا السياق ليتمم جو السياق السابق فبمن تريد أن نبدأ؟) دلالة على احترام المتحاورين بعضهم لبعض، وهو بهذا يعطيه حق الاختيار، وفي هذه العبارة إيحاءٌ بحرية الفكر في المجتمع الأندلسي (29) و كانت أحد أسباب ازدهار تلك الحضارة.
ويتابع ابن شهيد حديثه الرزين الخطباء أولى بالتقديم) على الرّغم من شوقه للشعراء، وهذا الأسلوب في الكلام مرتبطٌ بآداب الحديث، وكأنّ ابن شهيد يشير إلى تقنيات التربية في ذلك العصر، وطلبه لصاحب امرئ القيس فيه دلالةٌ على نفسيّته النزّاعة إلى القمّة، وعلى أنّ السيد لا يقابل إلاّ السيد، هذا الطلب كان عن طريق الانتقال من العام إلى الخاص، فهو يخصّص امرأ القيس لأنه يدرك في أعماق نفسه أنه أفضل المشارقة من الشعراء، وهذا يدل على ارتباط ابن شهيد بالتراث العربي القديم.