فهرس الكتاب

الصفحة 16762 من 23694

وابن شهيد يركّز على وحدة نسيج القصة عبر اللفظ سار بنا) بدلًا من حلّق) لأنّ الجواد يسير، ولا يُحلّق من جهة، ولأنّ ابن شُهيد يريد نقل المتلقي من الواقع إلى الخيال، إلى أرضٍ ليست كأرض البشر، وهنا يدخل عنصر التّشويق (19) ليثير في النفس الدهشة والغرابة، وليجعلها تنتظر معرفة المزيد، ويأتي بمفرده التمحتْ) بدلًا من شاهدت) ليؤكد دقته في استخدام اللفظة المناسبة للجوّ، فهو في رحلة فضائية، يلمح معالم الأرض دون التماس جزئياتها.

لقد ادعى بيريس تأثر ابن شهيد بالفكر اليوناني (20) ، وكم كان هذا الادعاء باطلًا (21) ؟ فلو أنه اطّلع على التراث العربي لما أطلق هذا الحكم، فالراحة عربية الطابع والطبّع، وهي مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، لأنها تشبه رحلة الإسراء والمعراج في فكرة الرحلة، وأصالتها في المساجلات التي حصلت بين ابن شهيد وشعراء المشرق العربي ممّا يؤكّد انتماءها إلى التراث العربي الإسلامي، وينفي ما ذهب إليه بيريس، كما أن رسالة التوابع والزوابع بُنيت على أساس الأسطورة العربية القائلة بأنّ لكل شاعر تابعًا يلهمه الشعر، ويعينه في صناعته) (22) .

وينساب التعبير اللغوي في هذا السياق، لتنتقل النفس إلى مشهد حيّ من مشاهد الطبيعة الحية، فإذا بخضرة (23) الأشجار تزرع في النفس السلامة والطمأنينة، وتبعث فيها زهو الحياة وشبابها، هذا الزهو مرتبطٌ بزهو حضارة الأندلس، كما أن حالة الصفاء تستشف من المشهد وتتحرّك حاسة الشمّ بانتشار رائحة الأزهار التي تُفتّح النفس وتجعلها تنجذب، لتتأمّل ذلك الجمال عبر حاسة البصر التي تسهم في تكوين صورة فنية (24) ذات أبعاد حسية ونفسية (25) تسهم في إغناء الرحلة، والتأثير في المتلقي عندما تثير في نفسه نوازع الشوق والتّوق لتأمل جمال الطبيعة، وإدراك أبعاد ذلك الجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت