ولكن كيف نسج ابن شهيد قصتّه؟ لقد جعل بدايتها لقاء مع زهير بن نمير فيه تمت إعادة ذكريات من التوابع والزوابع، هذه البداية هي بمنزلة العقدة الرئيسة في القصّة التي انطلقت من خلالها الأحداث (11) ، وعلى منوال هذه البداية نسج ابن شهيد قصتّه لرغبة في نفسه، هي شوقه وتوقه للقاء تابع امرئ القيس، هذا الشوق يوحي باللون الأحمر (12) المعبر عن تعطّشه للقاء ذلك التّابع كي يحظى بإجازة منه.
وابن شهيد يمثّل شخصيّة البطل في هذه القصّة، كما يمثلها في أغلب قصصه، فهو البطل والرّاوي، بعكس ما هي عليه الحال في الملاحم، إذ تقوم أبطال القصّة بالقول والفعل، ويبقى الرّاوي خلف السّتار الذّاتي يراقب الأحداث وتطوّراتها (13) .
وتأتي شخصيّة زُهير لتكون ظلًا لشخصيّة ابن شهيد إذ ترافقه أينما توجّه، وحيثما حلّ وتسهم في إغناء مقدّمة القصّة من خلال الحوار (14) الذي دار بينهما، والذي دلّت عليه المفردة تذاكرتُ) التي توحي للوهلة الأولى بتداعي شريط من الذّكريات، وقد حُدّدت ماهيته ضمن السيّاق (15) عن طريق التّصريح بأنّ التّداعي مرتبطّ بالتراث القديم.
وفي الحوار يبدو سلوك ابن شُهيد الحضاري في تساؤله، وهذا التساؤل يوحي بتواضعه والتّواضع يرتبط بوقار العلماء وجلالهم، وهذا السلوك هادئ لوقار صاحبه، هذا الوقار اكتسبته نفسيته من أدبي النفس والدّرس اللذين نهلهما من منابع الثقافة، ومجالس الخلافة، فقد ننشأ نشأة مترفة في زمن المنصور، وكان بعد ذلك على صلة بخليفتين هما يحيى بن حمّود والمستظهر (16) .
ولا عجبَ أن يظهر سلوكه في ألفاظه لأنّ الإنسان ابن البيئة، وقد كان للبيئة دور بارز في تكوين شخصيته، وصقل مواهبه. وهدوء النفس يرتبط بسياق القصة من خلال التركيب اللغوي الذي تتألف فيه العبارات محافظة على الوحدة العضويّة عن طريق العبارة الدّالة على السلوك تارة، ومن خلال اللفظة المنسجمة مع التعبير والملائمة للجو تارة أخرى.